الخميس، 29 مارس، 2012

قرية صينية تمنح سكانها سبائك ذهبية وفضية !

بكين : حصل سكان قرية في مدينة جيانج بمقاطعة جيانجسو شرق الصين على سبائك ذهبية وفضية احتفالا بمرور 40 سنة على تأسيس أهم منشأة اقتصادية في  القرية المملوكة لشركة خاصة.

ووفقاً لموقع "شانغهاي ديلي" فقد قامت مجموعة شركات "شين جيانجسو تشانج جيانج" وهي واحدة من 20 شركة خاصة في الصين، السبت الماضي على توزيع 300 كيلوجرام من الذهب و 300 كيلوجرام من الفضة لسكان قرية شانحجيانج البالغ عددهم 3000 قروي كما حصلت كل أسرة على صندوق الأمان لتخزين الأشياء الثمينة الخاصة بهم.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول القرية قوله إن أكبر العائلات عدداً حصلت على 700 جرام من الذهب، مشيراً إلى أن سعر التجزئة للذهب في الآونة الأخيرة قد بلغ 400 يوان (64 دولارا أمريكياً) للجرام الواحد.

وقد سادت الفرحة أهالي القرية وراحوا يلتقطون الصوراً التذكارية للسبيكة وإرسالها لأقاربهم عبر البريد الإلكتروني، كما قرر البعض الآخر صنع خواتم لبناتهم بجزء من السبائك والاحتفاظ بجزئها الآخر لتكون إرثا.

وفي تصريحات لوكالة أنباء شينخوا الصينية، قال أحد القرويين يدعى (تشو) ان السبائك ثقيلة وحقيقية وعليها رمز التنين، كما أكد قروي آخر يدعى (سان) بأن "الشباب والنساء غير المتزوجين في قريتنا لديهم شعبية كبيرة  بسبب الثروة التي نملكها"، مضيفا انه يخطط لمنح السبيكة للعريس الذي سيتقدم لخطبة ابنته.

وفي السنوات القليلة الماضية، أنشأت مجموعة شركات "شين جيانغسو تشانج جيانج" منازل للقرويين ووزعت عليهم الأسهم والأرباح النقدية، وفي العام الماضي، أنفقت حوالي  64 الف يوان لتزيين مداخل الفلل والمنازل، وتملك الشركة ثمانية مصانع كبيرة للمعادن والكهرباء والمواد الكيميائية وغيرها.

وفي مسعى لتعزيز النمو الاقتصادي والسياحي للقرية التي تعتبر واحدة من عدة قرى غنية في مقاطعة جيانغسو، تم انفاق ما يزيد على 3 مليارات يوان لبناء فندق لونج هوب انترناشيونال من فئة خمس نجوم يضم 74 طابقا وهو ثامن أطول مبنى في الصين. "البيان" الاماراتية.

قرد يهاجم عروساً سعودية بحجرة نومها !

الرياض : فوجئت فتاة سعودية تجهز لعرسها بقرد يقتحم غرفة نومها فتصرخ وتستنجد بأهلها من أجل إنقاذها, وتمكنت عائلتها من تخليصها من القرد باستخدام الموز.

ونقلت صحيفة "اليوم" في عددها الصادر يوم الخميس عن الفتاة (أ.م) التي تسكن مع جدتها المريضة في خميس مشيط جنوب السعودية قولها "كنت جالسة في الصالة أفكر في ترتيبات عقد قراني، ثم دخلت إلى غرفتي بعد ذلك لأفاجأ بوجود حيوان غريب يتحرك في الغرفة، فظننت في بداية الأمر أنه قط.. ولكن ما أن اقتربت منه حتى اتضح أنه قرد ".

وأضافت الفتاة " أخذ يقترب مني رويدا رويدا، وقمت حينها بالصراخ والاستنجاد بأهلي ليلوذ من جراء ذلك بالفرار، ويصعد إلى الطابق العلوي".

وأضافت "حاول أهلي إخراجه من المنزل، ولكنه أبى، وقام بالصعود فوق إحدى إنارات البيت، فحاولوا إنزاله بالعصا، ولكنه لم يستجب، وحين قاموا بالحديث معه وإغرائه بحبة فاكهة "موزة" رفع يده مشيرا بلا، وأخيرا تم إنزاله بالعصا ووضعه في سلة الغسيل ونقله إلى جبل بعيد تتجمع فيه القردة".

يُذكر أن حي "الرونة" بخميس مشيط يعد من الأحياء الراقية، ويبعد كثيرا عن أماكن تجمعات القردة, بحسب ما ذكرته الصحيفة. "يو بي أي".

مصور بريطاني يخوض وسط الحمم ليصور بركاناً ثائراً ! بالصور

 
لندن : قرر تحدى بريطانى المخاطر والصعاب التي قد يواجهها عند تعرضه لحمم نارية وذلك من أجل رصد لقطات نادرة من بركان ثائر في هاواي.

وكان المصور البريطانى الفوتوغرافي مايلز مورجان "41 عاماً" قد نجح في تحقيق هدفه وتمكن من تصوير شلال الحمم المتفجر من بركان كيلاوي بجنوب شرق جزيرة هاواي بعدما خاض وسط الحمم بوساطة حذاء ذاب من شدة السخونة.

وعمد مورجان في لقطاته إلى تصوير لمحات متنوعة من البركان المستمرة في قذف حممه وصخوره المنصهرة منذ عام 1983، الامر الذي نتج عنه تشكيل أطول صدع بالمنطقة على مدار المائتين عاماً الماضية، ويقوم البركان بقذف حممه إلي البحر مسافة 6 أميال خلال 4 ساعات.
 

 
 
 
 

الاثنين، 12 مارس، 2012

الزلازل.. أسبابها وأماكن تواجدها


أ. د. عبد الله العمري
المشرف العام على مركز الزلازل - بالرياض
تعد الظواهر الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والرياح والأعاصير والانزلاقات الأرضية والتصحر وغيرها أحد مظاهر الحياة على كوكب الأرض كما أنها إحدى أهم أدوات البناء والهدم التي تتطلبها مقومات التجديد لحفظ التوازن على هذا الكوكب.
وتعد الزلازل أكثر الكوارث الطبيعية تأثيرا على الإنسان لحدوثها المفاجئ والسريع ولما ينجم عنها من خسائر بشرية ومادية. ويمكن تقسيم الآثار الزلزالية إلى نوعين هما الآثار الأولية وتتمثل في حدوث الحركة الأرضية العنيفة وما يصاحبها من تصدعات وسقوط المباني وغيرها والآثار الثانوية وتتمثل في الحرائق والانهيارات الأرضية والفيضانات والتغيرات في مستوى سطح الماء. ويختلف حجم الخسائر التي تسببها الزلازل من بلد لآخر ويقل بصفة عامة في الدول المتقدمة التي أخذت بصورة جدية بالوسائل التي تؤدي إلى تخفيف الخطر الزلزالي.
لقد اتجه المؤرخون منذ القدم إلى الاهتمام بالزلازل وتسجيل مواقعها وتواري حدوثها ووصف أحداثها وتقدير شدتها والأضرار الناجمة عنها، وتطور هذا الاهتمام حديثا حتى أصبح علما قائما بذاته يسمى علم الزلازل (
Earthquake Seismology) خاصة إذا علمنا أن الكرة الأرضية تتعرض سنويٌّا إلى حوالي 350 ألف زلزال لا يشعر بمعظمها الناس إما لضعفها أو لحدوثها في مناطق غير مأهولة بالسكان.
أشار العالم ريد (Reid) عام 1906م إلى أن نظرية الارتداد المرن (Elastic Rebound) تعطي تفسيرا معقولاً لأسباب حدوث الزلازل، وتفترض هذه النظرية أن صخور القشرة الأرضية تتعرض إلى ضغوط وتشوهات على مدار السنين مما يجعل مسارها الطبيعي يتغير وينتج عن ذلك قوى هائلة تتزايد مع الزمن، فإذا زادت هذه القوى عن قدرة تحمل الصخور حدث بها كسر أو شرخ أو بمعنى آخر إذا زادت القوى الناتجة عن قوى الاحتكاك بين الصخور تحدث الإزاحة على جانبي الفالق مسببة انطلاق الطاقة المحبوسة إما على هيئة حرارة أو موجات ارتدادية، وهذه الموجات الارتدادية التي يحاول بها الصخر الرجوع إلى وضعه الطبيعي هي التي تسبب الزلازل. وباختصار يمكننا القول أن الزلازل عبارة عن اهتزاز في القشرة الأرضية نتيجة للتحرر السريع للطاقة المجتمعة في الصخور.
شكل (1): الصفائح الصخرية المكونة للقشرة الأرضية

وفي عام 1962م ظهرت نظرية الألواح التكتونية (Plate Tectonics) للعالم ألفريد وجنر (A. Wegener) التي تفترض أن الغلاف الصخري الصلب للأرض (Lithosphere) يتألف من عدة صفائح (Plates) صخرية يتراوح سمكها بين 70 كم و 100كم، (شكل 1)، وتتكون الصفائح من القشرة الأرضية وجزء صغير من الطبقة السائلة من الوشاح، وتتحرك الصفائح التكتونية بالنسبة إلى بعضها البعض فوق المنطقة المنصهرة جزئيا من الوشاح العلوي والمعروفة بالـ (Asthenosphere) وتحدث الحركات التكتونية على طول الحدود الفاصلة بين الصفائح البنائية عند تحركها متقاربة أو متباعدة عن بعضها أو تنزلق إحداها بموازاة الأخرى مسببة اضطرابات في داخل الأرض تنعكس على القشرة الأرضية في صورة كسور واندفاعات بركانية وزلازل وحركات صعود وهبوط؛ قال تعالى: (وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْع) الطارق (12).
لم يتفق العلماء حتى يومنـا هذا على قوة معينة لتحريك الصفائح ولكن أهم الآليات المقترحة لتحريك الصفائح:
أ - آليـة السحب الناتج عن تيـارات الحمل الموجودة في الغلاف الواهن   (Asthenosphere)
ب - آلية الجذب بسبب وجود طبقة الغلاف الصخري Lithosphere الباردة والعالية الكثافة فوق الوشاح الساخن واللدن والغلاف الواهن يؤدي إلى جذب الصفيحة نحو مناطق الاندساس.
جـ - آلية الانزلاق. بسبب تأثير قوى الجاذبية.
د - آلية صعود الصهير.
هـ - آلية البقع الساخنة

 أنواع الحدود والحركة النسبية بين الصفائح الصخرية المتجاورة

ومن الملاحظ هنا ارتباط الزلازل بخروج الحمم والصهارة من باطن الأرض وتكون البراكين وهو الارتباط الذي نبأنا الله بحدوثه أيضا في سورة الزلزلة في قوله: (إِذَا زُلْزِلتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا) الزلزلة (1- 2)
وبناءً على نظرية الألواح التكتونية يمكن تقسيم حدود الصفائح طبقًا لحركة الصدوع واتجاهاتها، إلى ثلاثة أقسام رئيسية كما يلي :

1ـ مناطق تباعد الصفائح: Divergence Zones:

تنشأ مناطق تباعد الصفائح عن عملية شد ناتج بسبب تحرك صفيحتين في اتجاه معاكس عن بعضهما البعض مثل ابتعاد الصفيحة العربية عن الصفيحة الأفريقية وما نتج عن ذلك من نشأة أخدود البحر الأحمر وكذلك سلاسل جبال وسط المحيط الأطلسي، وتتميز هذه المناطق بوجود الصدوع العادية أو الرأسية (Normal Fault)، كما أن الزلازل التي تحدث بها ضحلة ولا يزيد عمقها عن 30 كم شكل (2 أ). 

2ـ مناطق التقاء الصفائح: Convergence Zones:

تنشأ مناطق التقاء الصفائح عند تحريك صفيحتين باتجاه بعضهما البعض لتلتقيا معًا وتتصادما، ويحدث التصادم إما بين صفيحتين قاريتين أو بين صفيحتين إحداهما قارية والأخرى محيطية، وتتميز هذه المناطق بوجود الصدوع العكسية (Reverse Faults) ويمكن توضيح نوعي الاصطدام كما يلي: 

قاري ـ قاري: 

حيث تختلف كثافة الصخور نسبيا بين الصفيحتين، ويؤدي اصطدامهما معًا إلى تكوين منطقة من السلاسل الجبلية الضخمة والمرتفعة مثل جبال الهيمالايا في الهند وزاكروس في إيران، وتحدث الزلازل في هذه المنطقة على أعماق متوسطة تتراوح بين 60كم و 300كم. 

قاري ـ محيطي:
 
حيث تختلف كثافة الصخور بين الصفيحتين، حيث تضغط إحداهما على الأخرى وتنحني الصفيحة المحيطية الأكثر كثافة أسفل الصفيحة القارية الأقل كثافة ويقطع طرف الصفيحة القارية أجزاء كبيرة من الصفيحة المحيطية عند نزولها إلى طبقة الوشاح مكونة سلاسل جبلية مرتفعة مثل جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية والجزر الألوسية الممتدة حول منطقة ألاسكا. وتتميز زلازل هذه المنطقة بأنها من النوع العميق حيث يتراوح عمقها بين 300 كم و 650 كم شكل (2 ب). 

3ـ مناطق انزلاق أو زحف الصفائح: Transform Zones:

تنشأ مناطق انزلاق أو زحف الصفائح على شكل صدوع مستعرضة (Transform Faults) تؤدي إلى انزلاق أو زحف صفيحتين إحداهما بموازاة الأخرى، وتتحرك الصفيحتان متماستين على جانبي الصدع محدثة تكسيرًا أو تشوهًا في الصخور قد ينتج عنه اندفاعات بركانية وزلازل. وتحدث الزلازل في هذه المنطقة على أعماق ضحلة قد تصل إلى 20 كم تقريبًا، ومن أمثلة هذه المناطق خليج العقبة، وصدع سانت أندرياس بولاية كاليفورنيا الأمريكية شكل (2 ج).

الأحزمة الزلزالية
 
ويوجد في العالم ست صفائح رئيسية وأخرى صغيرة ثانوية تشكل في مجملها قشرة الأرض التي نعيش عليها. قال تعالى: (وَفِى الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ) الرعد (4) والصفائح الصلبة الكبيرة تشمل: صفيحة أوراسيا القارية، وصفيحة المحيط الهادي المحيطية، والصفائح القارية المحيطية المشتملة على صفيحة أفريقيا، وصفيحة أمريكا، وصفيحة المتجمد الجنوبي، والصفيحة الهندية ـ الاسترالية.
أما الصفائح الصلبة الصغيرة فمنها: الصفيحة العربية وصفيحة نازكا ـ صفيحة بحر الفلبين وصفيحة الكاريبي وصفيحة جنوب شرق آسيا.
 
بمقارنة خريطتي توزيع الزلازل وحدود الصفائح التكتونية في العالم، نجد ارتباطًا وثيقًا بين حدود الصفائح ومناطق النشاط الزلزالي، وعلى هذا الأساس أمكن تحديد ما يسمى بالأحزمة الزلزالية وأهمها حزام حلقة النار (حول المحيط الهادي) The CircumـPacific Belt.
ويتشــكل فيــه حوالي 69% من زلازل العالم، ويذكــر أن 80 % من طــاقــة الــزلازل تتــواجــد في هذا الحزام، ويشمل هذا الحزام الشواطئ الغربية من أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية واليابان والفلبين حتى يصل إلى أستراليا ونيوزيلندا، وتمثل أعتى أنواع الزلازل، وعلى سبيل المثال الزلازل التي حدثت في بيرو 1970 وتشيلي 1985 واليابان 1923 وألاسكا 1964، وأخيرًا زلزال اليابان 1995م.
 
 وهنــاك حــزام آخـر لا يقل أهمية ويمتد من الصين شرقًا مارٌّا بجبال الهملايا ثم ينحرف إلى الشـــمــال الغـــربي مارٌّا بجبــال زاجـــروس ثم القوقاز إلى تركيا وشمال إيطاليا، ويعرف هذا الحزام بحزام جبال الألب Alpide Belt ويتشكل فيه حوالي 21% من زلازل العالم، ويمثل هذا الحزام 10% من الطاقة.
وبالإضــافة إلى هذين الحــزامين هناك أحزمة زلزاليــة أقل خطـــورة تمتد في خطــوط شبه مستقيمة في وسط المحيط الأطلسي والهندي وتتجه شمالاً حتى تصل إلى خليج عدن وأواسط البحر الأحمر.
 
 وقد تتواجد الزلازل أحيانًا في مناطق ليس لها علاقة بالأحزمة الزلزالية، حيث تتمركز في داخل الصفيحة ويطلق على هذا النوع من الزلازل الـ Intraplate Earthquakes، وهذا النوع قد يكون مدمرًا بسبب عدم توقعه كما حدث في زلزال القاهرة في أكتوبر 1992م.

الموجات الزلزالية:

يتولــد عن حــدوث الزلازل في نقطة ما في الأرض نوعان من الموجات الزلزالية المرنة، تنتشر في جميع الاتجاهات مبتعدة عن موقعه، وتسمى النقطة التي تنطلق منها الحركة داخل الأرض بؤرة الزلزال Hypocenter بينما تسمى النقطة التي على سطح الأرض الواقعة مباشرة فوق بؤرة الزلزال مركز الزلزال السطحي Epicenter وتعرف المسافة العمودية بين مركز الزلزال وبؤرته بعمق الهزة Focal Depth، ويمكن تقسيم الموجات الزلزالية إلى:
1 

 - الموجات الداخلية: Body Waves:

تعرف الموجات الزلزالية الداخلية أو الجسمية بأنها الموجات التي تنفذ من خلال جسم الأرض لتظهر في مناطق أخرى على سطحها، وتنقسم الموجات الداخلية إلى نوعين هما:

الموجات الابتدائية:

وتسمى بالموجات الأولية (Primary Waves ـ P) أو الطولية أو الموجات التضاغطية (Compressional Waves) تنتشر هذه الموجات خلال الأجسام الصلبة والسائلة والغازية في صورة تضاغطات وتخلخلات متوالية، وتتميز بأنها ذات ذبذبات قصيرة، وتسير بسرعة عالية، ولذا فإنها تصل إلى أجهزة رصد الزلازل قبل غيرها من الموجات الأخرى، كما أنها عند وصولها إلى سطح الأرض ـ قادمة من العمق ـ يتحول جزء منها إلى موجات صوتية في الهواء يمكن للإنسان سماعها عند ذبذبات معينة (تزيد عن 15 ذبذبة في الثانية).
 
 الموجات الثانوية: 

تسمى أيضًا بموجات القص أو القصيرة أو الإزاحة (Shear Waves)، وتنتقل في الأجسام الصلبة فقط عن طريق الاهتزاز من جانب إلى آخر كأنها تقوم بقص الصخر أو إزاحته في اتجاه عمودي على اتجاه حركتها وهي ذات سرعات منخفضة، وتصل إلى أجهزة الرصد بعد الموجات الأولية ولذا تسمى بالموجات الثانوية (Secondary Waves).


 
  وتسـتخدم الموجـــات الداخليــة (الأولية والثانوية) في إعطاء صورة واضحة عن التركيب الداخلي للأرض، وتحديد مركز الزلزال وبؤرته. وتتوقف سرعة الموجات الأولية والثانوية على كثافة وخواص الصخور، وعند حدوث الزلزال يلاحظ في البداية تأثير الموجة الأولية وينتج عنها اهتزاز الأشياء غير الثابتة مثل الأثاث والأبواب والنوافذ يلي ذلك الموجة الثانوية التي تهز الأرض في الاتجاهين الأفقي والرأسي، ينتج عنها أضرار في المباني والمنشآت.
2 
 ـ الموجات السطحية: Surface Waves:

تعد الموجات السطحية (L Surface Waves) الأكثر تدميرًا، وهي تنتقــل بالقرب من سطح الأرض دون أن تمر إلى جوفها، وهي أبطأ أنواع الموجات الزلزالية وآخر ما يتم التقاطه على أجهزة الرصد. وتقسم الموجات السطحية إلى نوعين هما:
موجة لوف: وتم تسميتها نسبة إلى العالم لوف (Love) الذي اكتشــفها، وينتج عنهــا ذبــذبات تشــبه ذبذبــــات الموجة الثـــانوية ولكن في الاتجــــاه الأفقي فقــــط، وهي تؤثر بصفة خاصة على أساسات المنشآت.
موجة رالي:
 
 وتمت تسميتها نسبة إلى العالم السويدي رالي (Rayleigh) الذي اكتشفها، وهي تشبه أمواج البحر الدائرية، وفي تحريكها للماء، وتعمل هذه الموجة على تحريك الأشياء في المستويين الأفقي والرأسي في اتجاه عمودي على اتجاه الموجة.
وتتجلى أهمية الموجات السطحية في قدرتها التدميرية، بينما تكمن أهمية الأمواج الطولية والقصيرة في قدرتها على إجلاء الصورة الواضحة عن داخلية الأرض، وكذلك في تحديد بؤرة الزلازل حيث يتباين زمن وصول الموجتين، فالفرق بينهما يجعل من السهل تحديد الفرق الزمني بين الموجتين القادمتين من مصدر وآخر للدلالة على بعد الزلازل. وهذا هو بعينه ما يحدث في حالة البرق والرعد، فنحن نبصر البرق أولاً ثم نسمع الرعد بعد ذلك، وهذا يرجع إلى أن الضوء ينتقل بسرعة أكبر من سرعة الصوت، ونستطيع أن نحدد بُعد العاصفة بمعرفة الفرق بين زمن وصول كل من البرق والــرعد إلينـا، فإذا كانت تفصلهما فترة زمنيــة وجيزة كانت العـاصفة قريبة، أما إذا اســـتغرق وصـــول الرعـــد فترة طويلة فإن العاصفة تكون بعيدة.
ويتم التقاط الموجات الزلزالية الثلاث بواسطة أجهزة رصد تسمى الراصدات Seismometers وتوضع في أمـــاكن نائيـة بعيداً عن المنشآت العمرانية نظرًا لحساسيتها ودقتها العاليتين في التقاط الهزات الأرضية. وتوضع الراصدات في ثلاثة اتجاهات عمودية وأفقية شمال ـ جنوب أو شرق ـ غرب.
ويتـم تسجيل الموجات الـزلزاليـة إما باستخدام الطرق البيانية بواسطة قلم تسجيل تتحرك أمامه ومـلامسة له أسطوانة مثبت عليها ورق خاص لهذا الغرض تسجل عليه الموجات الزلزالية على شكل خطوط متعرجة وتسمى السجلات الزلزالية الورقية Seismograms أما الطرق الرقمية الحديثة فتستخدم أشرطة مغناطيسية أو أجهزة حاسبة متطورة لتخزين المعلومات الزلزالية وتتميز بأنها خالية من الضوضاء الزلزالية وسهولة تبادلها مع الأوساط العلمية الأخرى. 

لقد توصل العلماء ـ عن طريق وصول الأمواج الزلزالية من بؤرة الزلزال إلى محطات الرصد ـ إلى تحديد مواقعها وتحديد أعماق البؤرة الزلزالية وقياس مقدارها وشدتها. لقد أمكن تقسيم الزلازل بناءً على العمق إلى:

أ - زلازل ضحلة العمق يصل عمقها إلى 70 كم من سطح الأرض.
ب -  زلازل متوسطة العمق يتراوح عمقها  ما بين 70 - 300 كم.
جـ -  زلازل عميقة يتراوح عمقها  ما بين 300 - 670 كم.
عند حدوث الزلازل أو ما يسمى بالهزة الرئيسية Mainshock ينطلق معها معظم الطاقة الزلزالية الكامنة في الصخور ويبقى جزءًا آخر ينطلق مع الهزات اللاحقة والتوابع Aftershocks والتي في الغـالب يكـــون تأثيرها أقل شــدة من الهزة الرئيسية.
ولقد وصف القــرآن الكريم هذا النوع من التوابع في قـوله تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَة). فالراجفـــة هي الزلزلة العظمى؛ (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيم) والرادفة هي التتابع الأقل قوة.

أســماك ترصـد الـزلازل؟!

جمال بن فضل محمد الحوشبي


قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ)الحج: 18، إنه ذلك المشهد المهيب الذي تقف فيه العوالم كلها علويها وسفليها ساجدة لله تعالى، خاضعة له، مسبحة بحمده، منقادة إليه سبحانه ويقف الإنسان، هذا المخلوق الضعيف شاذٌّا في ناموس الكون العظيم كيف لا يسجد العبد لربه وقد سبح لله الحجر والمدر والرمال، والدواب، والشجر، والليل والنهار، والظلمات والأنوار، والجنة والنار، والزمان والمكان، والعنصر والأركان، والأرواح والأجسام؟؟(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
 
ولله في كل مخلوقاته دليل على وحدانيته وكمالاته سبحانه ومن ذلك التأمل في سلوك الحيوانات وغرائزها العجيبة التي تبعث على الدهشة والانبهار، وتوقظ العقل من غفلته ليتأمل قدرة الله ـ تعالى ـ في هذا العالم البديع ومما يبعث على الدهشة أن يجد الباحث انحرافًا خطيرًا في التفسيرات المادية لهذه الغرائز الباهرة التي أودعها الله تعالى في هذه المخلوقات المسبحة له، الساجدة بين يديه، إلا أن يكون تفسيرًا ملحدًا يغطي حقائق الوجود، ويأبى الخضوع لباعث الفطرة، وشاهد الكون العظيم.
وفي هذا المقال نتجوّل في سياحة إيمانية داخل هذا العالم البديع لنستخرج دلائل الوحدانية المشرقة في سلوك هذه الكائنات وغرائزها العجيبة.
في مساء السادس من أيار لعام 1976م وفي مدينة (فريولي) الإيطالية ارتفعت أصوات الحيوانات فجأة ودونما سبب ظاهر؛ الكلاب تنبح وتجري هنا وهناك، القطط مذعورة، الفئران تملأ الأزقة، الجياد والأبقار هائجة وعصبية، ويحاول أكثرها أن يسحب أربطته الطيور تسعى ضاربة بأجنحتها ومطلقة صرخات تبدي منها الفزع، وكأن شيئًا ما يستثير هذه الحيوانات ويدفعها لهذا التصرف العجيب لم يصدق سكان المنطقة ما رأوه بأعينهم، وصار ذلك محور حديثهم تلك الليلة وتمضي الساعات بطيئة، وما إن حلّت الساعة التاسعة من تلك الليلة حتى شعر السكان بالأرض تميد من تحت أقدامهم، وما هي إلا ثوان معدودات حتى ضرب زلزال عظيم المنطقة مخلّفًا وراءه ما يزيد على ألف قتيل من السكان !.
وحادثة أخرى مماثلة في (سان فرناندو) حيث اطّلع المحللون على تقرير سبق الكارثة هناك وفيه: (جيوش من الجرذان تملأ شوراع بلدة (سان فرناندو) ـ بالقرب من لوس أنجلوس الأمريكية ـ مع أن الناس كانوا يفترضون أنّ بلدتهم تخلو تمامًا من الجرذان وفي اليوم التالي تصيب هزة عنيفة وادي (سان فرناندو) وتؤدي إلى كارثة بيئية.
لقد أثارت هذه الحوادث وأمثالها اهتمام ودراسة عدد من العلماء، خاصة وأنها تتكرر بين فترة وأخرى، لقد أصبح الأمر جليٌّا واضحًا في حتمية وجود غرائز خفية للحيوانات تزوّدها بنوع استشعار لا يدركه البشر بحواسهم المحدودة وأجهزتهم المعقدة الحديثة.
من أولئك العلماء الذي اهتموا بهذه الظاهرة (هلموت تريبوش) الأستاذ بجامعة برلين الذي قام باستثارة الاهتمام بهذا الموضوع قديمًا ـ في عام 1976م ـ وأخذ يجمع ما تناثر هنا وهناك من أحداث مماثلة وقعت عبر التاريخ، وما سبق بعض الكوارث الزلزالية ـ أمثال زلزال (هيليس) اليونانية، وزلزال (لشبونة) المدمّر ـ من ردود فعل (غريزية) للحيوانات تشبه إلى حد كبير ما حدث قبيل كوارث معاصرة ومماثلة كزلزال مصر الأخير ـ 1992م ـ عندما اضطربت الحيوانات في حديقة الحيوان بالجيزة قبل عشرين دقيقة من الزلزال المدمّر، وما شابه تلك الحالات في (سان فرانسيسكو) وغيرها.
بعد ذلك بقليل ـ وبالتحديد في عام 1977م ـ عقد في الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمر علمي اشترك فيه عدد من العلماء من مختلف التخصصات وأهمها علوم الأرض والحياة، لدراسة إمكانية استخدام الحشرات والحيوانات في التنبؤ عن قرب وقوع الزلازل! وقد تمّ رصد الحالات التي سجّلت أثناء المتابعة فلم يحدث أن سجلت حالة واحدة لم يصدق فيها إنذار تلك الحيوانات عبر تصرفها الملحوظ قبل الكارثة، وبالفعل أقيمت أول مستعمرة من نوعها في التاريخ تضم العديد من الحيوانات والحشرات، والهدف الذي أنشئت من أجله هو دراسة تصرف هذه الحيوانات وردود أفعالها كإشارات لكوارث قريبة قادمة !
لقد بات اليابانيون يدركون ـ بعد تعرّض اليابان للعديد من الهزات الأرضية ـ أن تصرف (سمك الزينة) يفوق في هذا المجال أكثر آلات الرصد دقة، فقبل وقوع الزلزال بساعات يصاب هذا النوع من الأسماك بحالات غريبة من اضطراب في السلوك وذعر، ثم تأخذ بالدوران والاندفاع داخل أحواضها اندفاعًا جنونيٌّا !!
 
 وكلما قرأت عن هذه الحقائق العلمية الواضحة وغيرها أظل أتفكر مليٌّا فيما سطرته كتب سلفنا الصالح حول هذا الأمر أو رووه من أحاديث ومشاهدات، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري ـ مثلاً ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ حين قالت: (دخلَتْ عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فكذّبتهما ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل عليّ النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله، إن عجوزين....، وذكرت له الخبر، فقال: (صدقتا، إنهم يعذّبون عذابًا تسمعه البهائم كلها)، فما رأيته بعدُ في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر(1).
وكم قرأنا عن حوادث عجيبة تحكي جفول بعض الحيوانات عندما تجاوز بعض القبور التي يعذب أصحابها، تمامًا كما كان يشاهد من تصرفاتها قبل وقوع مثل هذه الكوارث البيئية.
وفي السياق ذاته تطالعنا حادثة نادرة من أعجب ما كتب في هذا الباب، وتحكى قصة اضطراب فرس عربي أصيل كان يملكه الصحابي الجليل أسيد بن الحضير ـ رضي الله عنه ـ حدث ذلك ذات ليلة صافية من ليالي المدينة النبوية ـ حرسها الله ـ لقد كان أسيد ـ رضي الله عنه ـ في تلك الليلة يقرأ القرآن خارج بيته ـ كعادته ـ بصوت ندي خاشع، وكان بقربه ابنه الصغير يحيى نائمًا، لكن العجيب في تلك الليلة بالذات أنه لاحظ تصرفًا عجيبًا للفرس، إذ كلما قرأ القرآن جالت فرسه وتحركت واضطربت، فإذا سكت سكنت، ثم إذا أعاد القراءة اضطربت أشد من الأولى، وهكذا حتى تكرر ذلك منه ومن الفرس ثلاث مرات، يقول ـ رضي الله عنه: فانصرفت عن القراءة مشفقًا على ابني يحيى أن تصيبه الفرس، فلما قرّبته مني رفعت رأسي إلى السماء فإذا أنا بمثل الظُّلَّة البيضاء فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى توارت عني، لقد اكتشف أن اقتراب تلك الظُّلة البيضاء بلا شك كان السبب في اضطراب الفرس وتحركها، فلما أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما حدث له البارحة قال له ـ صلى الله عليه وسلم: (أو تـدري ما ذاك؟) قال: لا، قال: (تلك الملائكة دنت لصوتك) الحديث(2).
بل لقد صرّح ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر أن لدى بعض الحيوانات مقدرة خارقة على رؤية ما لا يستطيع البشر رؤيته بحواسهم حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت مَلَكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا)(3).
إن هذه التصرفات ـ بلا شك ـ تنم عن وجود غرائز كامنة مركّبة في هذه الحيوانات، وهي التي تدفعها إلى استشعار ما قد يعجز البشر عن إدراكه بحواسهم الضعيفة، ولقد تباينت آراء العلماء المتخصصين عند دراسة أمثال هذه السلوكيات والغرائز التي تنم عن قدرات (خارقة)!! فهناك رأي مفاده أن هذا السلوك يعود إلى التقلبات في الحقول المغناطيسية، ووجود استجابة قوية عند بعض الحيوانات في هذا المجال، ولكن ثبت بالمشاهدة والمتابعة المستمرة عدم استقرار هذا العامل كمعيار ثابت يمكن أن تفسر به سلوكيات بعض الحيوانات في ظروف مماثلة، كما حدث ـ مثلاً ـ داخل عربات قطار في محطة للشحن بإيطاليا، كانت هذه العربات مصنوعة من صفائح فولاذية رقيقة يوجد بداخلها حيوانات محتجزة، ومع ذلك لم يؤثر ذلك على مقدرتها بالرغم من كون المكان محكمًا ومعزولاً ضد التقلبات المغناطيسية والموجات الكهربائية.
ويُرجِعُ البعض الآخر هذه الغريزة إلى قوة خارقة في حاسة السمع لدى هذه الحيوانات والحشرات، بحيث تسمع التحركات ـ التي تسبق الزلزال ـ في باطن الأرض، ويرجّح البعض نظرية الحساسية المفرطة لدى هذه الحيوانات لمعرفة التغيير الذي يحدث على الصخور قبل الزلزال.
بينما يفضل البعض ـ ببساطة ـ أن ينسب هذه التصرفات الذكية الخارقة إلى (الغريزة العمياء)!! كما ذكر بعضهم صراحة في مجلة عربية سيّارة أثناء حديثه عن هذه الغريزة الباهرة لدى الحيوانات؛ حيث قال: (الغريزة فعالية عمياء)؛ لأنها تقوم بعملها (دون أن يكون لفاعليتها أي غرض أو هدف)؟! وكثيرًا ما يعلّق ـ بعد سرد شواهد حية في الموضوع ـ بقوله: (لاشك بأن هذه الغرائز عمياء، وهي قوى توجّه سلوك هذه الحيوانات)! وهذا يتطلب من القارئ البصير وقفة متأملة ناقدة لدحض مثل هذا التفسير الذي يفضل صاحبه الهروب من الحقائق الثابتة بمثل هذا الكلام بدلاً من التأمل فيها، وإدراك سر عظيم من أسرار الوجود حوله تزيده إيمانًا وثباتًا، والدليل على ذلك أن هذه السلوكيات الغريزية وأمثالها غير قاصرة عند حد استشعار الزلازل ونحوها من الكوارث البيئية فحسب، بل تتجاوزها إلى سلوكيات أخرى فذة وغريبة لا تتصل البتة بالظروف البيئية أحيانًا!
أما دعوى (العشوائية) و(العمى) الذي لا هدف من ورائه، ولا محرك له في وصف هذه الغرائز فإنها دعوى يردها النظر البسيط في روعة مثل تلك التصرفات السلوكية التي تقوم بها تلك الكائنات، ولو تأمل فقط في طريقة بناء الطائر الصغير لعشه الرائع لتساءل طويلاً عن القوة المحركة لهذه الغريزة الواعية! فمن الذي علّم هذا الطير ذلك الفن الرفيع؟ ولماذا تتشابه جميع الأعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع؟ إذا قلت: إنها الغريزة ـ المجردة ـ فإن ذلك قد يُعَدّ مخرجًا من السؤال، غير أنها في الواقع تعد إجابة مريحة، ولكن قاصرة، فما هي هذه الغرائز؟ ومن محركها الحقيقي؟ وما هي ماهيتها، ومعالمها؟ أفليس من المنطق، ومن الإنصاف أن نرى آثار قدرة الله ـ تعالى ـ تتجلّى في سلوكيات هذه الكائنات التي خلقها فسوَّاها وفقًا لقوانين وسنن خاصة لا نكاد ندرك من كنهها شيئًا؟
إنه الله القدير الذي تظهر آثار قدرته، ومعالم حكمته، ومظاهر رحمته من حولنا، إنه الله الذي خلق الكون وحفظه، وليس ذلك فحسب، بل هو الذي سخره لهذا المخلوق البشري الذي كرمه من بين سائر المخلوقات ، أفليس هذا الجواب المريح إذن أَوْلَى وأحرى بهذا الإنسان الجاحد؟ إن ذلك هو ما توصل إليه كثير من العلماء المتخصصين في سلوكيات الكائنات الحية، ممن آمنوا بالله العظيم ـ سبحانه ـ من خلال هذا النظر المجرد الذي يوقد شعلة الإيمان ويحرك كوامن الفطرة في نفوسهم، إذا كان هذا الإيمان العميق بالله ـ سبحانه ـ يتولد في أعماق هؤلاء العلماء الماديين من جرّاء تتبع السلوك العجيب لهذا الطائر الصغير، بل من خلال دراسة سلوك واحد متواضع من سلوكياته ألا وهو طريقته في بناء عشه التي لا تكاد تختلف من طائر إلى آخر من النوع ذاته، بل قد يؤخذ هذا الطائر صغيرًا من عشه، لا يدرك شيئًا مما يحيط به، ثم عندما يعزل تمامًا عن كل المؤثرات البيئية المحيطة ويكبر يصنع لنفسه عشٌّا على نمط نوعه تمامًا!! فأي قدرة عليمة تكمن خلف تلك الغرائز الواعية؟! إذا كان هذا الإيمان العميق بالله الخالق العليم ـ سبحانه ـ يشرق في قلوبنا من خلال التأمل في هذا السلوك العجيب من هذا الطائر الصغير، فدعونا إذن نقوم بجولة إيمانية أكثر إثارة، نتأمل فيها آثار قدرة ربنا ـ سبحانه ـ عبر النظر في سلوكيات الكائنات الحية من حولنا، عسى أن نتأدب معه ونحن نفسر هذه الغرائز الحيوانية الواعية مرة أخرى.
لقد زوّد الخالق الحكيم ـ سبحانه ـ هذه الكائنات بمثل تلك الغرائز بطريقة تبعث على الدهشة والإعجاب معًا، حتى إنك لتنظر في تصرّف العنكبوت مثلاً وهو يقيم عملاً هندسيٌّا يحار العقل في فهم خطواته، ثم تتعجب بعد ذلك من متانته وصموده بالرغم من رقته وخفته!! إن هذه الحشرة الصغيرة تنسج خيوطها بصورة تختلف كل مرة مع الوضع الذي تجد نفسها فيه، وبيوتها مصنوعة بدقة متناهية تأخذ بالألباب، ذلك أنها تتقيد بالمسافات البينية، وتراعي انفراج الزوايا في شكل هندسي رائع عبر نسيج من الحرير يبلغ قطره ثلاثة أعشار الميكرون(4)، وهو أدق وأرق وأخف وأمتن من حرير دودة القز، ويخرج من مغازل العنكبوت التي فيها عدد كبير من الأنابيب الغازلة قد يصل في بعض العناكب إلى ألف أنبوب؟! ونظرًا لأنه أدق خيط عرف في تاريخ البشرية فإنه يُعَدّ حاليٌّا للاستخدام في صنع الأجهزة البصرية وخياطة جراحاتها.
وتضرب لنا أسراب الطيور المهاجرة مثالاً فريدًا آخر لا يقل بهجة وروعة عن ذكاء تلك الغرائز التي ركبها الله ـ تعالى ـ في هذه الطيور، ذلك أنها تبدأ في هجرتها الجماعية عندما تستشعر اقتراب موسم البرد ـ وبخاصة طائر السنونو ـ فتبدأ هذه الطيور رحلتها الطويلة من البلاد الباردة إلى البلاد الحارة على هيئة أسراب جماعية تحلّق معًا في السماء، وقد تقطع في غالب الأحيان نحو ألف ميل فوق عرض البحار، ولكنها مع ذلك لا تضلّ طريقها أبدًا مهما كانت قسوة الظروف الجوية، بل إن طائر السنونو يحركه شعور خفي بضرورة هذه الهجرة، ويلازمه ذلك الشعور حتى عندما يُحبَس في مكان دافئ في موسم هجرته المعتاد، وكأن هناك دافعًا من الداخل يشعره باقتراب موسم البرد.
وهناك لغز أعجب من هذا حيّر العلماء طويلاً هو ما يتكرر سنويٌّا مع ثعابين الماء التي تسلك طريق هجرتها الطويل عند اكتمال نموها واقتراب موسم التزاوج، فتراها في وقت محدد من العام تتجمّع من مختلف البرك والأنهار لتهاجر معًا قاطعة آلاف الأميال في المحيط قاصدة إلى الأعماق السحيقة، وهناك تبيض ثم تموت!! ولا يزال هذا اللغز يدور في أذهان المهتمين بهذه الظاهرة، إذ ما هو المحرّك لها في سلوك هذا التصرف الغريب الذي يدفعها جميعًا ـ في وقت واحد ـ لتموت في مكان ناءٍ عن موطنها الأصلي، بعد أن تضع بيضها؟! ولم يعثر على جواب يفسّر هذه الظاهرة حتى الآن.
وتتجلى الحكمة والقدرة العظيمة ـ لكن بوضوح أكثر وبصورة مدهشة لا يدرك كنهها العقل البشري القاصر ـ في سلوك الصغار فيما بعد؛ ذلك أن هذه الصغار ـ بعد أن تخرج من البيض ـ لا تملك أي وسيلة لتعرف بها أي شيء من حولها سوى أن تعود أدراجها، وتسلك الطريق نفسه الذي جاءت منه أمهاتها، فتقاوم في سبيل ذلك التيارات القوية والأمواج العاتية المتلاطمة وتقطع كل هذه المسافات الطويلة التي تعجز عن تحملها أجسامها الصغيرة، ثم تتوزع إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة في موطنها الأصلي، ولهذا يظل كل جزء من الماء آهلاً بثعابين البحار!!
فمن أودع فيها تلك الرغبة والعزيمة، ومن هداها لسلوك هذا الطريق الطويل حتى تعود إلى بيئتها الأصلية؟ إن الغرائز (العمياء) بذاتها تعجز عن هذا السلوك الباهر بلا ريب.
ولك أن تتفكر في خصيصة أخرى تتميز بها تلك السلوكيات الغريزية لدى هذه الكائنات؛ ألا وهو (التوقيت الزمني) العجيب الذي يحكم سلوكياتها الرائعة، إنه أمر باهر حقٌّا يدعو للنظر والتأمل، فلو نظرت إلى الطيور المهاجرة بأسرابها الكثيرة لأدركت أن لها وقتًا محددًا من العام للطيران إلى وجهتها المحددة مسبقًا إلى الشمال أو إلى الجنوب، وكل فرد منها عندما تحين ساعة الهجرة ينضمّ إلى سربه، ثم تهاجر جميعًا في يوم واحد يكاد أن يكون معيَّنًا كل سنة!
بل إن دقة هذا التوقيت وروعته تبدو جليٌّا في حياة الجراد؛ وهو أمر أعجب يحار منه العقل في إدراك تلك الدقة المتناهية التي تبدو لأول وهلة وكأنها ضرب من الخيال إذ لا يكاد موعد خروج الصغار من البيض ـ بعد سنوات طويلة من الظلمة في جوف الأرض ـ يتقدم أو يتأخر!.
وقد قرأت أنه وجد في ولاية إنجلاند الأمريكية ـ وبعد دراسة لموسم التكاثر عند الجراد ـ أن الجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة يغادر شقوقه تحت الأرض ـ حيث عاش في ظلام دامس مع تغير طفيف في درجة الحرارة ـ ويظهر فجأة بالملايين في شهر مايو من سنته السابعة عشرة، وقد يتخلف بعض المتعثر عن رفاقه ـ بطبيعة الحال ـ ولكن الكثرة الساحقة تنضج بعد سنوات الظلام تلك، وتضبط موعد ظهورها باليوم تقريبًا دون سابقة ترشدها!
وليس هذا هو كل ما يتعلق بذلك التوقيت الدقيق الذي يُسَيِّر تلك الغرائز، بل إن هناك سلوكيات متكررة ـ قد لا تدرك بمجرد النظر العابر ـ بينما تكمن من ورائها معادلات ثابتة لا تتغير باستمرار، ولعل أروع مثال لذلك السلوك الغريزي يتمثل في تصرف نوع من صرَّار الليل الذي يصر عدة مرات في الدقيقة الواحدة تختلف دائمًا باختلاف درجة الحرارة المحيطة!! ولما أُحصيَت مرّات صريرها وجد أن هناك سرٌّا مذهلاً يكمن وراء ذلك الاختلاف في مرّات الصرير، ذلك أنها تسجل درجة الحرارة بالضبط مع فارق درجتين فقط!! ومع تكرار المتابعة والرصد كانت النتيجة التي تم التوصل إليها ثابتة دائمًا على مدار ثمانية عشر يومًا!! إنها قدرة الله ـ تعالى ـ تظهر لكل من تأمل وتفكر في الكون من حوله.
وإذا جاوزنا هذا السر العظيم من أسرار التوقيت الزمني لدى تلك الكائنات وتأملنا في طرائق الاتصال والالتقاء بين كثير من الحيوانات والحشرات لوجدنا نظامًا دقيقًا آخر يحكم تلك السلوكيات الغريزية التي لا تختلف بحال من الأحوال، ويعجز البشر عن مشاهدتها فضلاً عن وصفها وتحليلها.
إن أظهر لغة للتفاهم بين بني البشر ـ كما نعلم ـ هي لغة الكلام التي لا بد من تعلّمها منذ الصغر ليسهل التفاهم ويحصل الاتصال الاجتماعي فيما بعد، ولكن هذه اللغة تختفي تمامًا عند غير بني البشر ـ من الحيوانات و الحشرات المختلفة ـ ليحلّ محلها قدرات أخرى (خارقة) تساعد تلك الكائنات على التفاهم والتخاطب، وتختلف لغة التفاهم هذه باختلاف النوع والصنف والطائفة في الأجناس الواحدة، فالنمل العادي مثلاً يقوم أفراده بنقل انفعالاتهم إلى رفاقهم بواسطة تلامس قرون الاستشعار! بينما في عالم النحل نجد لغة أخرى لكنها أعقد وأدق في التفاهم بين الأفراد داخل الخلية وخارجها، فإذا اكتشفت النحلة أزهارًا متميّزة برائحتها وألوانها فإن لها طريقة أخرى للتخاطب ونقل الانفعالات غير النمل العادي، فهي ترشد بقية أفراد مملكتها عن طريق رقصات معينة تصدرها هذه النحلة يدرك مغزاها ومدلولاتها باقي النحل في الخلية لأنها مزوّدة بمقدرة هائلة على فك الشفرات الحركية وإدراك معانيها وأرقامها ووجهتها وما يتعلق بها، والتي يحتاج الإنسان إلى أن يفصح عنها بلغة الكلام في أسلوب هندسي أحيانًا كأن يقول لرفيقه ـ مثلاً: (طِر في خط مستقيم، بانحراف عشرين درجة على يسار الشمس، وبعد مائتي متر ستجد مساحة من أزهار البرتقال)!.
ومعلوم أن النحلة مهما ابتعدت عن خليتها فإن بإمكانها أن تعثر عليها مهما اشتدت الريح في هبوبها؛ ذلك أن النحل لا يرى الأشياء كما نراها نحن فهو لا تجذبه الأزهار الزاهية التي نراها، ولكنه يراها بالضوء فوق البنفسجي الذي يجعلها أكثر جمالاً في نظره، ولهذا فقد يعيش النحل في مناطق يكسوها السحاب معظم شهور السنة ولا يؤثر ذلك في عمله إطلاقًا.
أما أسلوب الاتصال بين أفراد البعوض فيختلف نوعًا ما، لقد أكّد العلماء الدارسون لحياة البعوض أن قرون الاستشعار المثبّتة على رأس كل بعوضة والمزوّدة بعدد هائل من الشعيرات الدقيقة الممتدة من رأس الذكر يمكنها التقاط الذبذبات الصوتية التي تحدثها الأنثى من مسافات بعيدة، لتفوق في ذلك أدق الأجهزة اللاسلكية التي اخترعها الإنسان على مدار تجاربه البشرية، والعجيب أن هذه الشعيرات لا تلتقط سوى إشارات أنثى البعوض فقط على الرغم من وجود أصوات عديدة أخرى في الجو تختلط فيها أصوات البشر بأصوات الطيور ومكبرات الصوت وغيرها! علمًا بأن الخالق ـ جل وعلا ـ قد زوَّد قَرْنَي الاستشعار اللذين تمتلكهما البعوضة بمقدرة هائلة، ويكفي أن نعلم أن ذلك الطنين الذي نسمعه وتصدره البعوضة يحدث نتيجة ما يقارب ثلاثمائة ذبذبة في الثانية عن طريق اهتزاز قرني الاستشعار!!
أما الفراشة فمهما حملتها الريح فإنها لا تلبث أن ترسل إشارة خفية يستجيب لها باقي الأفراد على مسافة بعيدة، وتصل الرسالة مهما أحدثت من روائح في سبيل تضليلها.
وكما تختلف طريقة التفاهم والتخاطب عند هذه الكائنات تختلف مواقع السمع والإحساس فيها كذلك، تبعًا لأنواعها وطوائفها، فقد توجد في أماكن غريبة من الجسم كأن تكون في رِجْلِ الحشرة أو في منطقة البطن منها، وهكذا فالجندبة الأمريكية (katy did) تحك ساقيها أو جناحيها معًا فيسمع صريرها الحاد في الليلة الساكنة على مسافة نصف ميل، وذلك عن طريق هزّها لكمية هائلة من الهواء من أجل إخراج ذلك الصوت القوي!
من جهة أخرى تستخدم بعض الحشرات التي تنشط ليلاً وسائل أخرى عن طريق إشارات ضوئية ذات تردد معين ـ كما هو الحال في بعض الحشرات المضيئة ـ وهذه الإشارات ذات دلالة يفهمها أفراد النوع نفسه.
إن الإنسان ليصاب بالعجز تمامًا عن الإبصار إذا ما حلّ الظلام الدامس، ولكنه لو كان على ظهر حصانه العجوز فإنه بإمكانه أن يصل إلى منزله بسلام مهما اشتدت ظلمة الليل؛ لأن ذلك الحصان يتمكن من الرؤية في ذلك الليل البهيم عن طريق ملاحظة اختلاف درجة الحرارة في الطريق وعلى جانبيه بعينين تأثرتا قليلاً بالأشعة الحمراء في الطريق، وكذلك البومة التي تستطيع أن تبصر الفأر الدافئ وهو يجري على الشعب البارد مهما تكن ظلمة الليل.
أما الخفاش فهو جندي الظلام الذي ينشط في الليل وينام في النهار ولا يسكن إلا الكهوف والأقبية المظلمة؛ إذ إنه ضعيف البصر، وسريع الطيران، ومع ذلك لا يصطدم بأي عائق أمامه، سواءً أكان جدارًا أو عمودًا أو غيره، ونتيجة للتجارب والملاحظات فقد وجد أن هذا الحيوان يُصدر أصواتًا على شكل نبضاتٍ ذات ذبذبات عالية تقارب مائة ألف ذبذبة في الثانية! وهذه الأصوات فوق مستوى سمع الإنسان.
وهذه النبضات الصوتية ـ التي يرسلها الوطواط (الخفاش) ـ إذا اصطدمت بشيء عاد رجعها إلى سمعه فأدرك أن أمامه ما يصطدم به مع الشعور بمقدار سطحه، فينعطف عنه بسرعة ولا يصطدم به.
لا شك بعد كل هذا أن مثل تلك السلوكيات الفذة ليست عمياء تحركها العشوائية والعبث؛ لأن من أخص خصائصها الدقة والتوقيت والانضباط، على الرغم من تتابعها في الصنف ذاته، وفي النوع من الجنس المشترك على مدار الحياة.
إن قدرة الله العليم الحكيم تتجلّى بوضوح من خلال النظر في هذه السلوكيات (الغريزية) ولا تزال ـ حتى الآن ـ تقدّم لها الفرضيات العلمية المبنية على المشاهدة والتجربة في سبيل العثور على تفسير علمي دقيق يحكم هذه الغرائز التي أودعها الخالق ـ جلت قدرته ـ في هذه الكائنات وتتوارثها جيلاً بعد جيل!
وهذا ما يدعونا حقٌّا إلى التأمل في آثار قدرة الله العظيم من حولنا، عبر النظر في مخلوقاته وآياته المسطورة في صفحات هذا الكون الفسيح، وعندها ندرك الحكمة من أمر الله ـ تعالى ـ لعباده بمتابعة النظر، والتفكر في مخلوقاته وآياته، وأخذ العبرة من ذلك، قال ـ سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِى الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(5).
ولهذا تجد كثيرًا من العلماء الماديين المتخصصين في دراسة علوم الحياة والطبيعة يصرّحون بإيمانهم العميق بالله العظيم بعد أن يروا آثار رحمته وعلمه وقدرته ماثلة أمامهم.
يقول (ميريت ستانلي كونجدن) - وهو عالم طبيعة حاصل على الدكتوراه من جامعة بورتون: (إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله - سبحانه وتعالى - ويدلّ على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة (الاستدلالية)، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته، ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته)، وصدق الله القائل: (سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ). 

الهوامش :
 
1 ـ صحيح البخاري، كتاب الدعوات/ باب التعوذ من عذاب القبر.
2 ـ صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن.
3 ـ رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه.
4 ـ الميكرون جزء من ألف من الملليمتر.
5- سورة آل عمران (190-191). 

الطبيعة .. المفهوم والمخالفة

د. أحمد محمد كنعان

الطبيعة (Nature): لفظ مشتق من الطَّبع. وطَبْعُ الشيء أي خُلُقُه. وطبيعته أي خلقته التي خلق عليها من حيث شكله ولونه وسلوكه وبقية أوصافه، ومن هنا يأتي الطبع بمعنى الختم وهو التأثير في الشيء ليتشكل على هيئة معينة، والطبيعي هو غير الصنعي، وإذا أطلق اسم الطبيعة قصد به كل ما هو موجود في هذا الكون من مخلوقات الله ـ عز وجل ـ وعلم الطبيعة هو العلم الذي يبحث في طبائع الأشياء وما اختصت به، والطبائع الأربعة عند الأقدمين هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

1 ـ الطبيعة والسنن الإلهية

لقد جعل الله ـ عز وجل ـ لكل مخلوق من مخلوقاته طبيعته الخاصة به، وقدر لكل منها مجموعة من السنن (القوانين) التي تميزه عن غيره من المخلوقات، وهذه السنن لا يمكن تغيرها ولا تعديلها كما قال تعالى:{فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}(فاطر43).
فمن طبيعة الماء مثلاً أنه يتجمد عند درجة الصفر المئوية، ويتبخر عند (100) بينما طبيعة الحديد أنه يتمدد بالحرارة ويتقلص بالبرودة! ومن طبيعة الإنسان أنه يتنفس الهواء ويموت إذا ما غرق بالماء، بينما تعيش الأسماك بالماء وتموت إذا ما خرجت إلى الهواء!
والمخلوق لا يستطيع الفكاك عن طبيعته التي خلقه الله عليها، ولا يستطيع الخلاص من إسار السنن التي تحكم هذه الطبيعة، وإذا ما تغيرت طبيعة الشيء فهذا يعني أن سننًا أخرى دخلت فيها، فالماء مثلا إذا مزج ببعض السوائل كالغليسيرين (Glycerin) لم يعد يتجمد عند الصفر ولم يعد يتبخر عند درجة المائة، ويفيدنا فهم طبيعة المخلوقات على هذه الصورة في عدة أمور:
* فما دام لكل مخلوق طبيعته التي لا تنفك عنه فينبغي علينا أن ندرك هذه الطبيعة والسنن التي تحكمها، لكي نستطيع تسخير هذا المخلوق تسخيرًا مجديًا، وهكذا فإننا عندما عرفنا السنن التي تحكم الماء أصبحنا قادرين على تسخيره في خدمتنا، وكذلك الحديد، وكذلك سائر المخلوقات.
* بما أنه لا يمكـن تغيير ولا تعديل السنن التي قدرها الله ـ عز وجل ـ للمخلوقـات، فـإن علينـا توجيه اهتمامنا لكشف هذه السنن لا إلى تغييرها أو تعديلها.
* إن عدم القدرة على تغيير السنن لا يعني العجز أمام طبائع الأشياء، بل يمكن الاستفادة من معارضة بعض السنن لبعض، أو تآزر بعض السنن مع بعض، من أجل الحصول على مزايا جديدة لم تكن موجودة من قبل، ومثال ذلك تآزر الغليسرين مع الماء لتغيير طبيعة الماء كما ذكرنا آنفًا، ودوران المركبات الفضـائية حول الأرض بمعـارضة سـنة القوة الطاردة لسنة الجاذبية الأرضية وبهذا تتمكن المركبات من الدوران حول الأرض لسنوات طويلة بلا محركات ولا وقود، ومن ذلك أيضًا مدافعة سنة المرض بسنة التداوي.. وهكذا.

2 ـ تسخير المخلوقات

لقد كرم الله ـ عز وجل ـ الإنسان فاختاره من بين سائر المخلوقات ليكون الخليفة في خلقه، وسخر له كل المخلوقات الأخرى ليقوم بهذه المهمة الجليلة: {اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُم تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا مّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية 12، 13. وتسخير المخلوقات للإنسان لا يعني امتثالها لأمره من غير جهد يبذله، بل لا بد للإنسان أن يبذل الجهد الكافي لمعرفة السنن التي تحكم طبائع المخلوقات، وأن يدرك كيفية عمل هذه السنن، وأن يعيد لها الشروط اللازمة لكي تفعل فعلها، فيستفيد من خصائصها ويسخرها في خدمته.
علمًا بأن القدرة على اكتشاف السنن الإلهية وتسخيرها ليس حكرًا على المؤمنين وحدهم، بل هو باب مفتوح للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، كما قال تعالى : {كُلاً نُّمِدُّ هَؤُلآءِ وَهَؤُلآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} الإسراء 20


3 ـ قهــر الطبيعة

هو تعبير يستخدم! أو ما نرى إصرارهم على ذلك؟ من قبل بعض المفكرين والعلماء والفلاسفة والملحدين الذين ينكرون أن الله ـ عز وجل ـ هو خالق الطبيعة، وأنه هو الذي سخرها للإنسان، فهؤلاء بإنكارهم للخالق يتصورون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الطبيعة، ويرون أنها تتحداهم من خلال سننها الصارمة ولهذا يتصورون أنهم كلما اكتشفوا شيئًا من سنن الطبيعة فإنهم يكونون قد قهروها وحققوا الانتصار عليها(؟!) وهذا اعتقاد ظاهر الفساد، لأن الله ـ عز وجل ـ الذي خلق الطبيعة لم يجعلها عَصِيَّة على البشر، بل سخرها لهم كما بينا آنفًا.
ومن ثم فلا يجوز شرعًا استعمال مصطلح (قهر الطبيعة) لأنه يتنافى مع الاعتراف لله ـ تعالى ـ بفضله علينا إذ سخر لنا كل ما في هذا الوجود! ولقد كان الفيلسوف الهولندي اسبينوزا مُحِقٌّا. وكان أكثر وعيًا من هؤلاء الملحدين حين قال: (إن حرية الفعل لا تقوم في التحرر من الجبرية التي تسود الطبيعة بل في إدراك الإنسان لعبوديته وقبوله لما يجري)، فالمسألة إذن ليست مسألة صراع وتحد وقهر بين الإنسان والطبيعة كما يتوهم الملحدون الضالون.
وحريٌّ بالإنسان أن يشكر الله ـ عز وجل ـ كلما وفقه لاكتشاف شيء من سنن الطبيعة التي لم تخلق أصلا إلا من أجله والتي أخبرنا الله ـ تعالى ـ أنه هو الذي سوف يسهل لنا أمر اكتشافها: {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنـَّه عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} فصلت 53، فلا يظنن إنسان أنه قادر على اكتشاف شيء من أسرار هذا الوجود إلا أن يشاء الله ـ عز وجل.

4 ـ الطبيعة مخلوقة لا خالقة

ومن الأخطاء الشائعة أيضًا بين كثير من الكتاب والمفكرين والفلاسفة أنهم ينسبون الأفعال للطبيعة وبخاصة منها الأفعال التي تعبر عن الخلق، فيقولون مثلاً: إن الطبيعة تخلق أصنافًا عديدة من النبات! أو يقولون: إن الطبيعة جعلت الإنسان في قمة الكائنات الحية! ونحو ذلك من التعابير التي تضفي على الطبيعة بعض الصفات الإلهية، وهذا شرك لا شك فيه، فالطبيعة بكل ما فيها إنما هي مخلوقة من قِبَل الله ـ عز وجل ـ والطبيعة لا تقدر على فعل شيء إلا بأمر الله ـ عز وجل ـ فما بالك بعملية الخلق؟! {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} الحج 73. 

العودة إلى الطبيعة

قلنا إن الله ـ عز وجل ـ قد خلق المخلوقات المختلفة، وقدَّر لكل منها سننًا لتسير على منوالها، ومن ذلك مثلاً أنه خلق للإنسان طعامًا طبيعيٌّا يناسبه من الماء والنبات والحيوان، ولكن مع تقدم العلوم ظهرت على الساحة أطعمة مختلفة ببعض المواد المصنعة كالملونات (stains) والنكهات (flavours) كما ظهرت أطعمة مصنوعة كلها من مواد كيماوية، وقد بدأت تظهر بعض العوارض السلبية بسبب هذه المخالفة للطبيعة، وأصبحنا في كل يوم نقرأ تقارير طبية تحذر من أضرار هذه المخالفة، وتدعو للعودة إلى الطبيعة، كالعودة مثلاً لإرضاع الطفل من ثدي أمه بدلاً من تغذيته بالأطعمة المصنعة، وهي دعوة حكيمة لا شك فيها، لأن حليب الأم أنسب لطبيعة الطفل من أي غذاء آخر، وكذلك سائر المخالفات للطبيعة، سواء في الطعام أو في غيره كالممارسات الجنسية الشاذة التي تخالف فطرة البشر ومنها على سبيل المثال اللواط، والسحاق، وجماع الحيوانات، وغير ذلك من أشكال المخالفات للطبيعة التي فطر الله ـ عز وجل ـ عليها خلقه!
وفي الواقع فإن البشر في عصرنا الراهن قد تمادوا كثيرًا في مخالفتهم للطبيعة، في شتى الأنشطة والحقول، حتى بلغت هذه المخالفة حدٌّا يهدد بكوارث عالمية، وقد سبق أن عرضنا جانبًا من هذه القضية في حديث لنا عن البيئة، وعما ألم بها من تغيرات مصطنعة أثرت في عذريتها، ولوّثتها وأخرجتها عن طبيعتها التي خلقت عليها، وقد بدأ العلماء يحذرون من خطورة هذا التأثير، ويدعون لإعادة البيئة إلى طبيعتها الأولى حفاظًا على صحة الحياة في الأرض، وإن عندنا من نصوص الكتاب والسنة وفعل السلف الصالح الكثير مما يدعو للمحافظة على عذرية الطبيعة والتعامل معها تعاملاً منضبطًا يستثمرها ويستفيد من خيراتها دون أن يمسها بسوء!.