الأحد، 29 أبريل 2012

فيلم الناصر صلاح الدين الايوبي فيلم كامل ودقة عالية مشاهد أون لاين مع إمكانية التحميل

عن الفيلم :
الناصر صلاح الدين فيلم للمخرج يوسف شاهين إنتاج عام 1963، قصة محمد عبد الجواد (كاتب)، نجيب محفوظ، عبد الرحمن الشرقاوى
وهو فيلم تاريخي تدور أحداث الفيلم حول فترة من حياة القائد صلاح الدين الأيوبي. وهى فترة الحروب الصلبية الصهيونية ومحاولة صلاح الدين إثبات ان القدس كأرض ومكان مقدس للمسلمين
فالفيلم يناقش قضية الأرض والدين الإسلامي

قصة الفيلم :

بعد أن علم صلاح الدين وهو في مصر بما يحدث للمسلمين في بيت المقدس يهب لجمع كلمة المسلمين من أجل إنقاذها لكن قوافل الحجاج تتعرض للهجوم من قبل الفرنجة بقيادة رينو وكان فيها ابنة عمة صلاح الدين فيضطر للتقدم لمواجهة الفرنجة الذين جمعوا جيوشهم للقتال وينتصر صلاح الدين عليهم في معركة حطين ويحرر بيت المقدس ويقتل رينو وكانت زوجته فيرجينيا قد ذهبت إلى أوروبا تستنجد بريتشارد قلب الأسد وفيليب أغسطس فيبدأون الهجوم بحراً على عكا ويتمكنون من احتلالها وبعد فشل محاولة صلاح الدين للسلام معهم يتمكن الفرنجة من احتلال عسقلان ثم يتمكن صلاح الدين من هزيمتهم في معركة آخرى ثم تبدأ بين الفرنجة عمليات دسائس ومؤامرات وخيانات انتهت برجوع كلٍ من فيليب وكونراد إلى فرنسا وهزيمة جيوش ريتشارد أمام صلاح الدين عند أسوار بيت المقدس بعد أن جهز سلاحاً استطاع من خلاله تحطيم أبراج الفرنجة بالإضافة إلى موت فيرجينيا على يد آرثر الذي اكتشف ريتشارد بعد حين أنه قد خانه فيضطر ريتشارد للعودة إلى بلاده ويفرح صلاح الدين والمسلمون بهزيمة الفرنجة الصلبين الكافرين والمعتدين.


فيلم أيام السادات مشاهدة أون لاين مع إمكانية التحميل المباشر

قصة الفيلم :-
يدور الفيلم عن حياة الزعيم الراحل"محمد أنور السادات" منذ طفولته المبكرة بقرية ميت أبو الكوم حتى اغتياله في حادث المنصة ، و يتعرض الفيلم لكافة الأحداث التي مر بها من التحاقه بالكلية الحربية ، و اتهامه في قضية التجسس لحساب الألمان و كذلك اغتيال أمين عثمان ، و قصة هروبه متنكرا في زي سائق و عامل بالمحاجر حتى زوال الأحكام العرفية ، وتعرفه ثم زواجه بجيهان السادات ، ورجوعه للجيش و انضمامه للضباط الأحرار ، ثم قيام الثورة و دور السادات فيها ، ثم
نكسة 67 ، و قيام عبد الناصر بتعينه نائبا له، ثم وفاة عبد الناصروتوليه الرئاسة و بعد ذلك صراعه مع مراكز القوى و تصفيتها ، ثم حرب أكتوبر المجيدة 1973 ، ثم تأتي المرحلة الأخيرة من الفيلم مع الإنفتاح الاقتصادي ثم زيارته لإسرائيل من أجل إبرام معاهدة السلام ، ثم اعتقالات سبتمبر ، و تأتي المحطة الأخيرة من حياة السادات ممثلة في يوم اغتياله
و الجدير بالذكر أن الفيلم استمر تصويره لمدة 11 أسبوع ، و تعدت تكلفته 6 مليون جنيه .

 

السبت، 28 أبريل 2012

كتاب "يد الله لماذا تضحي الولايات المتحدة الامريكية بمصالحها من أجل اسرائيل؟"pdf مصورا

اسم الكتاب : لماذا تضحي الولايات المتحدة الامريكية بمصالحها من أجل اسرائيل؟

إسم المؤلف : غريس هالسل



الناشر: مكتبة طه كمال الأزهري لطلاب العلم



إسم المترجم : ترجمة محمد السماك

رابط التحميل المباشر :

 
رابط اخر :

موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة ومعجم أهم المعبودات القديمةpdf نسخة مصورة

موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة ومعجم أهم المعبودات القديمةpdf نسخة مصورة


 
اسم الكتاب : موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة ومعجم أهم المعبودات القديمة

المؤلف : حسن نعمة

الناشر :  دار الفكر اللبناني 
 
رابط التحميل المباشر :


رابط مباشر اخر :
 


رابط اخر مباشر :
 
موسوعة ميثولوجيا واساطير الشعوب القديمة ومعجم اهم المعبودات القديمة
 
رابط اخر غير مباشر :




كيف انتشر الإسلام ؟

 كيف انتشر الإسلام
الشيخ : أحمد خميس 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالمسلمون أمة واحدة لا يفرقهم زمان أو مكان، فهم وإن باعدت بينهم الأسفار والمسافات إلا أن عقيدة الوحدانية التي يعتقدونها تأبى إلا أن توحدهم، وهم وإن فرقت بينهم المذاهب والأهواء إلا أن حبهم لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- يأبى إلا أن يجمعهم.
وأمتنا الإسلامية صاحبة تاريخ مجيد وحافل بالأحداث، وهي رغم كل ما مر بها من كوارث وأزمات طوال تاريخها تعتبر من أكبر أمم الأرض عددًا؛ فتعدادها يتخطى المليار ونصف نسمة وهي -بفضل الله- في توسع دائم منذ بعث الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالحق في القرن السابع الميلادي؛ فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وتوفي وقد دانت شبه جزيرة العرب واليمن بالإسلام، ثم أكمل صحابته الكرام -رضي الله عنهم- المسيرة في عصر الخلفاء الراشدين؛ ففتحوا الشام، والعراق، وفارس، وخراسان، وأذربيجان، وداغستان، وأرمينيا في قارة آسيا، وفتحوا مصر، وجزء من بلاد المغرب العربي في قارة أفريقيا.
ثم جاء عصر الأمويين الذين استكملوا الفتوحات في آسيا؛ ففتحوا بلاد ما وراء النهر وبلاد الترك "تركستان"، وبلاد السند ووصلوا إلى حدود الصين، ومن ناحية الغرب وقفوا على أبواب القسطنطينية، أما في قارة أفريقيا ففتحوا باقي بلاد المغرب العربي ووصلوا إلى أقصى سواحل المحيط الأطلسي، ثم شقوا طريقهم إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط من ناحية المغرب ففتحوا بلاد الأندلس "أسبانيا والبرتغال"، ووصلوا إلى أواسط فرنسا، ثم توقفت الفتوحات الكبرى بعد ذلك في عصر العباسيين وإن كان الأمر لم يخل من بعض المناوشات العسكرية والفتوحات لبعض المدن مثل: فتح بلاد الأناضول على أيدي "السلاجقة" في القرن الخامس الهجري، وفتح بلاد البنغال على أيدي "الغوريين" في القرن السادس الهجري، لكنها بالتأكيد لا ترقى لحركة الفتوحات الكبرى التي كانت على عهد الخلفاء الراشدين والأمويين.
ومع انتهاء الخلافة العباسية في عام 656هـ الموافق 1258م؛ وهو العام الذي سقطت فيه "بغداد" عاصمة العباسيين في أيدي "المغول" ظهرت في الأناضول قوة إسلامية جديدة شابة استطاعت أن توحد المسلمين مرة أخرى تحت إمرتها، وتعيد عصر الفتوحات الكبرى إلى الأذهان من جديد؛ ألا وهي "الدولة العثمانية".
فتح العثمانيون القسطنطينية "إستانبول حاليًا" عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه بشَّر بفتحها: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، ثم انطلقوا إلى بلاد شرق أوروبا ففتحوا البعض وضربوا الجزية على البعض؛ فدخل الإسلام اليونان، وبلغاريا، وألبانيا، ورومانيا، ومولدوفيا، وجورجيا، وبولندا، وبلاد الصرب، والمجر، ووقفوا على أبواب فينا، كما فتحوا جزر رودس وقبرص في البحر المتوسط.
لم يكن الفتح العسكري هو الطريقة الوحيدة التي انتشر بها الإسلام في العالم، ولكن دخل الإسلام بلادًا عديدة عن طريق الدعوة التي كان يمارسها التجار المسلمون؛ سواء بطريقة مباشرة عن طريق عرض الإسلام صراحة، أو بطريقة غير مباشرة عندما يرى الناس أخلاق التجار المسلمين وصدقهم في الحديث وأمانتهم؛ فيُعجبوا بالإسلام ويدخلوا فيه، وكان لاتساع رقعة العالم الإسلامي أثره في سيطرة المسلمين على طرق التجارة العالمية آنذاك وكانت أربع طرق رئيسية:
طريق الخليج العربي: يبدأ من إندونيسيا وماليزيا إلى بحر العرب إلى مضيق هرمز إلى الخليج العربي إلى شط العرب، بغداد، الشام، آسيا الصغرى ثم إلى أوروبا.
طريق البحر الأحمر: يبدأ من الهند، شرق أفريقيا إلى المحيط الهندي إلى مضيق باب المندب إلى البحر الأحمر إلى خليج السويس إلى غزة، الإسكندرية ثم إلى أوروبا.
طريق البر الغربي: يبدأ من الهند، شرق أفريقيا ثم برًا إلى اليمن إلى الحجاز إلى الشام ثم إلى أوروبا.
طريق البر الصيني: ويسمى أيضًا طريق الحرير، ويبدأ من الصين إلى الهند إلى خراسان إلى العراق إلى الشام إلى مصر، بلاد المغرب ثم إلى أوروبا، وقد نشأ على هذا الطريق الكثير من المدن الإسلامية الكبرى مثل: طشقند، وبُخارى، وسمرقند.
كانت القوافل التجارية المارة على هذه الطرق تحمل البهارات والتوابل، والأحجار الكريمة والذهب، وريش النعام، والعاج واللؤلؤ من: الهند والصين، وإندونيسيا وماليزيا وشرق أفريقيا والبحرين واليمن، وكانت المحطات الموجودة في آخر الطرق التجارية هي الأماكن المعنية من بداية الرحلة؛ لأن منتجاتها هي المنتجات المرغوبة؛ لذا تطول إقامة التجار فيها حتى يبيعوا كل ما معهم من بضائع، ثم يشتروا بضائع جديدة، وبالتالي تزداد صلتهم مع سكان هذه البلدان فينتشر الإسلام فيها، وأكبر مثال على هذا النوع من البلدان إندونيسيا وماليزيا.
ومن إندونيسيا انطلق الدعاة إلى الجزر القريبة لدعوة أهلها فدخل الإسلام إلى الفلبين، وفيتنام، وجزر المالديف؛ بينما كان بُعد جزر اليابان عن مراكز المسلمين التجارية سببًا في تأخر وصول الإسلام إليها.
وترتفع نسبة المسلمين في السواحل المحدبة الموجودة على طرق التجارة البحرية؛ لأن هذا النوع من السواحل يصلح لإقامة الموانئ فتقف السفن عليها لالتقاط الأنفاس والتجارة مع أهلها، ومن أمثلة هذا النوع سواحل الصين مثل: شنغهاي، وشانتونغ، وسواحل الهند الغربية والجنوبية.
أما السواحل المقعرة فلا تصلح لإقامة المواني؛ لذا كانت السفن التجارية تبتعد عنها وبالتالي لم ينتشر الإسلام فيها عن طريق التجارة البحرية، ومن أمثلة هذا النوع: خليج البنغال انتشر الإسلام فيه بسبب الفتح العسكري، وسواحل الهند الشمالية، وسواحل بورما، وتايلاند، وكمبوديا، دخلها الإسلام بعد نزوح مسلمي فيتنام إليها كما انتشر الإسلام في الصين، وفي شمال الهند عن طريق التجارة البرية.
وفي أفريقيا اتجه المسلمون نحو سواحل شرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي وكانت هذه السواحل آخر محطات السفن التجارية مما سهَّل انتشار الإسلام في هذه المناطق، وإن بقي الإسلام محصورًا في السواحل مثل: الصومال، وكينيا، وزنجبار، وجزر القمر، وجزر بمبا، ولم يتوغل إلى الداخل بسبب طبيعة المناخ والغابات الوعرة.
وفي القرن السادس عشر الميلادي شجَّع سلاطين العثمانيين التجار على التوغل داخل أفريقيا ووفروا لهم الحماية فوصلوا إلى ضفاف نهر الكونغو حيث نشروا الإسلام هناك، وعلى طول الطرق التي سلكوها في تنزانيا، ورواندا، وبوروندي، وزائير، وانتشر الإسلام بواسطة التجارة البرية في دول جنوب الصحراء الكبرى مثل: تشاد، والنيجر، ونيجيريا.
وهناك عوامل ساعدت على انتشار الإسلام في أفريقيا مثل: تنقل بعض القبائل وراء المراعي من جنوب الصحراء إلى شمالها ذهابًا وإيابًا؛ فكثر احتكاكهم بالمسلمين، ودخل الكثير منهم في الإسلام، وكذلك الدول التي قامت في أفريقيا كان لها أكبر الأثر في نشر الإسلام في الغرب الأفريقي مثل: دولة المرابطين في المغرب العربي في القرن الخامس الهجري، ومملكة غانا الجديدة في القرن الخامس الهجري، ومملكة مالي التي استمرت من القرن السابع إلى القرن التاسع الهجري.
وهكذا انتشر الإسلام في قارات العالم المعمور آنذاك: آسيا وأفريقيا وأوروبا... وكانت الدولة الإسلامية هي الدولة التي لا تغيب عنها الشمس، وكانت الحروب الدائرة بين المسلمين ونصارى أوروبا دائمًا ما تنتهي لصالح المسلمين حتى لو كانت الغلبة للأوروبيين في بعض الأوقات، ونستطيع أن نقول بملء أفواهنا: إنه منذ القرن الثامن الميلادي وحتى القرن السادس عشر الميلادي كانت الدولة الإسلامية هي القوة العظمى الأولى في العالم: عسكريًا، واقتصاديًا، وفكريًا، وعلميًا؛ سواء في عصر خلفائها الراشدين، أو في طورها: الأموي أو العباسي أو العثماني
المصدر : صوت السلف

سلامة الصدر من صفات اهل الجنة

 سلامة الصدر
الشيخ :

إن من الصفات الحميدة والخلال الجميلة التي يتصف بها أهل الجنة سلامة صدورهم من الغل والحسد والبغضاء والكراهية؛ حيث بين تبارك وتعالى في محكم كتابه أن من أنواع النعيم التي يتقلب فيها أهل الجنة سلامة صدورهم؛ حيث جعل قلوبهم خالية مما يكدرها؛ وسالمة مما يفسدها؛ وذلك لكمال نعيم الجنة؛ فقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأعراف: 43].
وهذه المنزلة العالية والمنقبة الفاضلة والسعادة النفسية قد اتصف بها بعض عباد الله المؤمنين في هذه الدنيا قبل التنعم بها في الآخرة فضلاً من الله ونعمة؛ وذلك من عاجل بشرى المؤمن؛ فكان جزاؤهم أن جوزوا بمثلها في دار القرار والنعيم المقيم.
فقد روى الإمام أحمد في المسند والنسائي في الكبرى وغيرهما بإسناد صحيح عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. 
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ ؟
قَالَ: نَعَمْ . 
قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ . 
قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ.
قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ " فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ.
فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ . قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ. 
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ.

ومن خلال هذا الحديث يتبين ما لمنزلة سلامة الصدر من مكانة؛ إذ بلغت بهذا الصحابي الجليل إلى تلك المنزلة العالية؛ حيث بُشر بالجنة وهو ما زال حياً في هذه الحياة؛ جرّاء هذا العمل العظيم؛ وإن كان في الظاهر أنه هين.
وقد استغرب عبد الله بن عمرو لما بات عنده ولم ير له كثير قيام أو صيام؛ وإنما هو كسائر الناس؛ مما يدل على أن نظرة الصحابة إلى أن كثرة الصلاة والصيام هو أعظم ما يبلغ بالعبد الوصول إلى الجنة؛ وهذا الأمر وإن كذلك صحيحا؛ لكن بيّن هذا الحديث أن بلوغ الجنة قد يدركه العبد بعد توفيق الله تعالى بغير تلك الأعمال الظاهرة الجليلة.
وسلامة القلب منزلة رفيعة لا يبلغها إلا القلة من الأصفياء؛ ولذلك ورد الحث عليها من كلام السلف رحمهم الله.
فعن سفيان بن دينار قال : قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ؟ قال : كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا. قلت: ولم ذاك ؟ قال : لسلامة صدورهم .
وعن زيد بن أسلم قال: دُخل على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له : ما لوجهك يتهلل ؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين. أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني ، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما.
وقال قاسم الجُوعي رحمه الله تعالى : أصل الدين الورع ، وأفضل العبادة مكابدة الليل ، وأقصر طرق الجنة سلامة الصدر.
وسليم القلب من أفضل الناس عند الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " كُلّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ ، نَعْرِفُهُ. فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ: " هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ. لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْيَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ ". رواه ابن ماجه.
وإن مما يمنع العبد الوصول إلى هذه المنزلة الرفيعة والمكانة العلية هو التنافس البغيض على حطام هذه الدنيا والتكالب عليها؛ لأن سالم الصدر وطاهر القلب لا يعبأ بهذه المظاهر الخادعة؛ ويعلم أنها كسحابة صيف سرعان ما تذهب؛ والتنافس الحقيقي إنما يكون على الاستحواذ على منازل الآخرة؛ والفوز بالنعيم المقيم الذي لا يزول ولا يحول؛ وفي ذلك ورد الأمر الشرعي بالتنافس والمسابقة فيه كما قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } [المطففين: 22 -26]؛ وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
ومن أعظم ما يعين على الوصول إلى سلامة الصدر؛ وطهارة القلب؛ الرضى بقضاء الله وقدره؛ ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه؛ وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فالخلق ليس في أيديهم نفع ولا ضر حقيقي إلا بمشيئة الله وإرادته؛ لأنهم لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء لم يكتبه الله لم ينفعوا العبد به؛ وإن اجتمعوا على أن يضروا بشيء لم يضروا بشيء لم يكتبه الله.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين (2/207) : " إن الرضى يفتح له باب السلامة فيجعل قلبه سليما نقيا من الغش والدغل والغل ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى وكلما كان العبد أشد رضى كان قلبه أسلم فالخبث والدغل والغش: قرين السخط وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضى وكذلك الحسد: هو من ثمرات السخط وسلامة القلب منه من ثمرات الرضى ".
ومما يعين على الوصول لسلامة الصدر أن يحب المرء لإخوانه المسلمين كما يحب لنفسه؛ ويستحيل بالمرء أن يحب لنفسه الهلاك أو زوال النعمة أو وقوع في مهلكة؛ فكما لا يحب لنفسه ذلك؛ فكذلك يجب أن يحب لإخوانه المسلمين ذلك.
وهذه الصفة الحميدة من أعظم ما يجلب سلامة الصدر وراحة البال وطمأنينة النفس؛ ولذلك لا يبلغ العبد كمال الإيمان إلا إذا اتصف بهذا الخلق الكريم كما روى البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
وبذلك يتبين أن مبتغي الهلاك للمسلمين أو من يجر لهم المصائب في دينهم ودنياهم لم يكن بالمؤمن الكامل الإيمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (10/ 128) " وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من رواية أنس أيضا "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقد قال تعالى ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) (النساء:73) فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم، بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ، فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم، إذ كانوا لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة، ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة، ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المؤمنين فليس منهم، ففي الصحيحين عن عامر الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
فسلامة القلب من الغل والحسد والبغضاء والكراهية من أعظم أسباب السعادة في هذه الدنيا؛ ومن أقصر الطرق للوصول إلى سعادة الآخرة والفوز بالجنة؛ جعلنا الله وإياكم من اهلها.

هل يجوز للمسلم أن يفجر نفسه ؟ رؤية شرعية

 د . ناجح إبراهيم : هل يجوز للمسلم أن يفجر نفسه ؟ رؤية شرعية
كتب : د . ناجح إبراهيم :

طرحت التفجيرات المتعددة  التي قامت بها  القاعدة  وغيرها من التنظيمات التي انتهجت  أسلوب التفجيرات العمياء سؤالا ً قديما ً جديدا ً.. وهو: 
هل يجوز للمسلم أن يقتل نفسه في تفجير ما.. أم أنه لا يجوز؟!!!
لقد طرح هذا السؤال من قبل مرارا ً وتكرارا ً دون إجابة واضحة له.. لأنه سؤال معقد من الناحية الفقهية والعملية.
فقد طرح حينما قامت مجموعة من تنظيم القاعدة بقيادة الطائرات المدنية الأمريكية.. "وفجرت نفسها" مع هذه الطائرات وركابها المدنيين في "برجي التجارة الأمريكية".. ليقتل يومها آلاف المدنيين في هذا الحادث. 
وطرح أيضا ً في تفجيرات "الرياض" و"الدار البيضاء".. حيث تمت عن طريق تفجير سيارات ملغومة قتل فيها "منفذو العملية" مع عشرات من المدنيين.
وكذلك مع تفجيرات "طابا" و"شرم الشيخ" التي حدثت في مصر منذ عدة سنوات فقد تمت بسيارة ملغومة أيضا ً قتل فيها "المنفذون" مع عشرات آخرين من المدنيين بعضهم من السياح.. ومعظمهم من المصريين الذين يعملون في هذه المناطق السياحية.
وإذا كنا قد تحدثنا مرارا ً وتكرارا ً عن حرمة قتل المدنيين من الرجال.. وكذلك حرمة قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان.. أو الاعتداء على دور العبادة حتى في حالات الحروب بين الدول. 
فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن مرة أخرى ولم يجد إجابة له حتى الآن لدى الكثيرين هو:
هل يجوز للإنسان أن يقتل نفسه؟!!
وهل الإنسان حر في التخلص من نفسه كما يشاء؟!!
وهذا السؤال ينبغي أن يقسم إلى قسمين:
الأول: هل يجوز للإنسان أن يتخلص من نفسه في قتال غير مشروع وفيه إثم وذنب ومخالفة للشريعة الإسلامية الغراء.. مثل تفجيرات "الرياض" و"الدار البيضاء" وتفجير "كنيسة القديسين" وتفجيرات "طابا" و"شرم الشيخ".. وكل التفجيرات التي حدثت وفيها اعتداء على المدنيين وقتل للأنفس المعصومة بغير الحق.
الثاني: هل يجوز أن يقتل الإنسان نفسه بالتفجير أو ما شابهه في الحروب العادلة التي أقرتها الشريعة.. دفاعا ً عن الدين والأرض.. مثل الفدائيين الذين يلبسون الأحزمة الناسفة أو يفجرون أنفسهم بطريقة أو بأخرى بين القوات التي تحتل بلاد المسلمين.
إذا ً أمامنا حالتان مختلفتان لا ثالث لهما لبسط الأحكام الشرعية الخاصة بهذا الأمر.. ولكن قبل بيان الأحكام الشرعية لكل منهما يجب أن نضع هذه المقدمة الهامة:
من ثوابت الإسلام التي لا تتزعزع.. ولا تتغير مع تغير الأزمان والبلاد والأعراف والأمم حفظ الضرورات الخمس.. ومن أهم هذه الضرورات حفظ النفس البشرية.
فلم يأت الإسلام ليهلك الأنفس المسلمة أو غير المسلمة في غير ميدان.. أو لتقتل هذه الأنفس المعصومة دون مصلحة شرعية صحيحة.. أو أن تزهق دونما هدف.
فالأصل في كل الأنفس "العصمة".. سواءً كانت مسلمة أو غير مسلمة.. ولا يجوز إزهاق هذه الأنفس إلا في الحروب العادلة أو بحكم القاضي بعد سلسلة من الاحترازات الشرعية والقانونية التي كفلتها الشريعة للمتقاضين. 
حتى أن الشريعة الغراء أمرت القضاة بدرء الحدود بالشبهات.. رغم أهمية الحدود في الشريعة الإسلامية فقال (صلى الله عليه وسلم): "أدرءوا الحدود بالشبهات".
كما منع القاضي أن يقضي بعلمه أو يقضي وهو غضبان أو جائع أو.. وأو.. حفاظا ً على نفس المتهم.. فنفس المتهم رغم اتهامه هامة في الشريعة.. وأهم من إنفاذ الحدود الشرعية نفسها.
أما في الحروب فلم يجعل الإسلام القتال شرفا ً في ذاته.. فمجرد القتال لا يدعو للفخر.. فالوحوش في البراري تتقاتل ويقتل بعضها بعضا ً.. ويسفك بعضها دماء بعض ظلما ً وعتوا ً.
ولكن ما يدعو للفخر حقا ً هي القتال في الحروب العادلة.. وأن تقاتل نصرة للدين والحق.. وإعزازا ً للأوطان وتحريرا ً لها.
وقد أعجبني كثيرا ً ما نص عليه الفقيه العظيم ابن تيمية من أن قتل الأنفس كلها هو نوع من المفسدة.. وإنما أباحته الشريعة في الجهاد الحق لمصلحة أعظم من هذه المفسدة.. فإن لم تتحقق هذه المصالح التي شرع لأجلها فقد انتفت مشروعيته. 
ويقول العلامة ابن دقيق العيد: "الأصل عدم إتلاف النفوس.. وإنما أبيح منه ما يقتضي دفع المفسدة فحسب".
وبين القرآن العظيم علة القتال الذي أباحته الشريعة للمسلمين فقال تعالى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ".. فمن قاتلنا قاتلناه.. ومن كف عنا كففنا عنه. 
فالإسلام احترم النفس البشرية وصانها.. ولم يستبح إزهاقها إلا بقدر ما يحتاج رد العدوان.. ودحر الظلم.. كما قال ابن تيمية "فمن قاتل واعتدى عليه يقاتل دون أن يعتدي على غيره ممن لم يقاتل".
وقد شجع الإسلام على حقن الدماء حتى في الحروب العادلة.. فشجع على الصلح وحث عليه حتى بين المسلمين وأعدائهم.. بل جعل الإسلام الصلح أعظم آلية لإنهاء النزاعات المسلحة بين المسلمين وغيرهم في الحروب العادلة.. وكذلك بعضهم مع بعض.
فلولا الصلح الذي أمرت به الشريعة لاستمرت كل النزاعات المسلحة حتى يهلك الطرف الأقوى بقية الأطراف.. أو حتى يستمر النزاع إلى ما لا نهاية قال تعالى: 
"عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". 
وقال تعالى: "وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
حتى أن الإسلام أباح للمسلمين الصلح على الشرط الجائر.. كما قال الفقيه العظيم "ابن القيم" مستندا ً إلى قبول الرسول (صلى الله عليه وسلم) للشروط الجائرة والظالمة التي جاءت في صلح الحديبية بينه وبين قريش.. حتى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال يوم الحديبية مغلبا ً للصلح على ما سواه:
"والله لا يسألني أحد خطة تعظم فيها حرمات الله (أي تحقن فيها الدماء) إلا أجبتهم لها".
ولعل سائلا يتساءل: 
لماذا حرص الإسلام كل هذا الحرص على النفس البشرية؟!!
فأقول: 
نظر الإسلام إلى النفس البشرية على أنها بنيان الرب سبحانه.. فمن حفظه فقد حفظ بنيان الله على الأرض.. ومن دمره وأهلكه دون حق فقد دمر بنيان الرب سبحانه.. لأن الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه.. وهؤلاء البشر سلالة من آدم عليه السلام وامتداد له. 
كما أن الأنفس البشرية هي الوسيلة هي التي أناطت بها كل الشرائع السماوية تعمير الكون وإصلاحه.. فإذا هلكت النفس البشرية لم يعمر الكون كله. 
وهي المنوط بها تحقيق مراد الله في خلقه بإقامة الدين والعدل والإحسان في الأرض.. فإذا هلكت لم يكن للكون كله قيمة.. ولم يتحقق مراد الله في خلقه.
ولعل هذا كله يفسر لنا هذه الآية العظيمة: 
"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً". 
وأعطى الله سلطانا ً لولي الدم الذي يتصدى لمن قتل وليه ظلما ً وزورا ً وعدوانا ً "وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً".
وبناء ً على هذه المقدمات الواضحة يمكننا بسط حكم من يقتل نفسه في مثل التفجيرات الانتحارية التي سبق ذكرها مثل تفجيرات "الكنيسة" أو "الرياض" أو "الدار البيضاء" أو "11 سبتمبر" أو "طابا" أو "شرم الشيخ".. بأن هذا لا يجوز له أن يقتل نفسه.. ولا أن يقتل غيره من هؤلاء المدنيين الذين حرم الله قتلهم.
وأن قتله لنفسه وغيره يعد من أكبر وأعظم الآثام والذنوب في شريعة الإسلام.. ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالجهاد العظيم الذي شرعه الإسلام.. حيث لا تنطبق عليه أي أحكام من أحكام الجهاد.. ويعد قتاله هذا محرما  ً وممنوعا ً في شريعة الإسلام.
أحكام العمليات الاستشهادية في الحروب العادلة
 
أما الذي يقدم على تفجير نفسه من أجل إعلاء كلمة الله ولتحرير وطنه من المستعمر.. فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه العمليات الاستشهادية إلى فريقين:
 
الأول: أجاز مثل هذه العمليات الاستشهادية.. إذا غلب على ظن المقاتل أنه يحدث نكاية في العدو أو دفعا ً لشره أو ردا ً لعدوانه.
واعتبر هؤلاء الفقهاء أن هذه العمليات الاستشهادية لا تعد من قبيل إلقاء النفس في التهلكة.. ولا يعد فاعلها منتحرا ً.. ولا آثما ً.
ومن أبرز هؤلاء العلماء الآتي:
 
الشيخ/ يوسف القرضاوي:
اعتبر أنها عمليات مشروعة طالما توفرت فيها الشروط المطلوبة.. ولا تعد من قبيل إلقاء النفس في التهلكة.  
أما الشيخ/ محمد الحاج الناصر " الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي بالمغرب":
فيرى أنه إذا استوفى رجل شروط الشهادة .. وانتدب نفسه لتحقيق مصلحة محققة فيرجي له نيل الشهادة. 
ويوافقه الدكتور/  فتحي الدريني عضو مجلس الإفتاء الأردني:
فيرى جواز ذلك طالما كان ذلك موجها ً لعدو الدين والوطن .. ولا يعتبر قاتلا ً لنفسه .. ولكن يعتبر شهيدا .. ً لأن الأمور بمقاصدها .. وذلك كما يحدث في فلسطين .
أما سعيد قفة .. عالم ومفكر إسلامي .. فيقول :
هذه العمليات بالأراضي المحتلة لا تعد انتحارا ً .. إنما هي شهادة في سبيل الله.
 
أما الدكتور/ نصر فريد واصل مفتى مصر السابق: 
يرى أن هذه العمليات الفدائية التي يقوم بها المسلمون في فلسطين والشيشان تدخل في الجهاد المشروع .. وتعد استشهادا ً في سبيل الله.. وذلك بخلاف خطف الطائرات التي ينطوي تفجيرها على احتمال مقتل أبرياء مسالمين.
ويرجح هؤلاء الفقهاء وغيرهم من الفقهاء المعاصرين جواز وصحة هذه العمليات الاستشهادية ضد جيوش الأعداء المحتلين لبلاد المسلمين لأنها تحدث نكاية شديدة في صفوفه.. وتبث الرعب في نفوس جنوده.. وتشجع قلوب أصحاب الحق على البذل من أجل الحصول على حقوقهم.. وكذلك نيل الشهادة في سبيل الله.. شريطة أن يكون ذلك كله بعيدا ً عن المدنيين وفي صفوف جيوش الاحتلال فقط.. وشريطة أن تكون المصلحة المتوخاة من ذلك مصلحة ضرورية وكلية وقطعية.. مع قياس المصالح والمفاسد من ذلك الأمر.. بحيث تغلب مصالحه على مفاسده.
ولا يعتبرون ذلك منتحرا ً.. لأن المنتحر يقتل نفسه يأسا ً وقنوطا ً من رحمة الله.. ولا يؤمن بقضية أو رسالة.. أو يدافع عن دين أو وطن.
أما من يقوم بالعمليات الاستشهادية في صفوف جيش العدو الذي يحتل بلاد المسلمين فهو الذي يحمل بين جنباته الإيمان العميق بدينه ووطنه.. ووجوب بذل الأنفس في سبيلها.. وتغلب على أحواله السكينة والطمأنينة والبشر.. والرغبة في لقاء الله سبحانه. 
 
الثاني: أما معارضو العمليات الاستشهادية.. فقد استندوا في حرمة هذه العمليات إلى أن الشريعة نهت عن قتل النفس "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً " وهددت من يفعل ذلك بأشد العقاب "وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً".. كما أن فيها إلقاء للنفس في التهلكة التي نهت عنها الشريعة الغراء "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ". 
وفرقوا بين حالة العمليات الاستشهادية التي يفجر الإنسان فيها نفسه في صفوف العدو.. وبين الذي جوزه فقهاء السلف في هذه المسألة وهو الذي يحمل على صف العدو فيغلب عليه الموت.. فالأخير الذي يحمل صف العدو  لديه فرصة للنجاة.. أما المقاتل في العمليات الاستشهادية فهو مقتول بيقين.
 
وممن عارضوا العمليات الاستشهادية :
 
الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتى العام بالسعودية:
حيث اعتبر أن الإثخان في العدو مطلوب .. لكن ينبغي أن يكون بالطرق المشروعة .. واعتبر العمليات الانتحارية ليس لها وجه يبيحها .
الشيخ/ ناصر الدين الألباني:
اعتبر أنها تجوز عندما يكون هناك حاكم مسلم يقيم الجهاد الإسلامي ويحدد من يقوم بهذه المهمة .. أما إذا لم يوجد مثل هذاالحاكم فلا يجوز الإقدام عليها . 
الدكتور/ صالح بن غانم السدلان.. أستاذ الدراسات العليا في جامعة محمد بن مسعود الإسلامية :
اعتبر أن من فعل ذلك وهو يتيقن مقتله لا يجوز له الإقدام عليها .. أما إن كان يظن النجاة .. فهذا إن قتل فهو شهيد إذا كان في معركة لإظهار الحق وفي سبيل الله .
أما من فعل ذلك لإغاظة العدو وبناء على قول سمعه من واحد من أهل العلم .. فلا يسمى قاتلا ً لنفسه .. لأنه معذور. 
ولعل هؤلاء استندوا إلى بعض أقوال فقهاء من السلف الصالح مثل:
يقول الإمام الشوكاني في كتابه "السيل الجرار":
"وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .. ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب .. فقد ألقي بيده إلي التهلكة".
وقال الإمام القرطبي المفسر والفقيه الشهير:
"إن غلب على ظنه أن سيقتل وينجو فحسن.. ولو علم أو غلب على ظنه أنه يقتل.. ولكن سينكي نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ً ينتفع به المسلمون .. فجائز أيضا ".
يقول الإمام الغزالي صاحب الإحياء:
"فأما تعريض النفس لهلاك من غير أثر فلا وجه له.. بل ينبغي أن يكون حراماً".
هذه هي آراء الفقهاء المعتبرة في حكم من يقوم بالعمليات الاستشهادية في الحروب العادلة ضد المحتلين والمستعمرين لبلاد المسلمين. 
والرأي الذي أباح العمليات الاستشهادية في الحروب العادلة قاسها على الرأي الفقهي القديم بجواز انغماس المقاتل في صفوف العدو لإحداث نكاية فيه.
أما الذين حرموا العمليات الاستشهادية في الحروب العادلة.. فقد رفضوا القياس السابق.. لأن الانغماس يمكن أن ينجوا منه المقاتل مع إحداث النكاية في العدو.. أما العمليات الاستشهادية فلا تحتمل إلا أمرا ً واحدا ً هو مقتل هذا المقاتل.
وكلا الرأيين يستند إلى قبول هذا القياس أو رفضه .     
رزقنا الله الفقه في الدين والعمل بهذا الفقه.. والإخلاص لله سبحانه وتعالى .
تعليق السكينة : ( سبق لموقع السكينة استعراض مسألة التفجيرات الانتحارية ، ولاشك أن كلام فضيلة الدكتور ناجح إبراهيم له قيمته العلمية والواقعية ، وهذه روابط تغطيات سابقة للمسألة لمزيد اطلاع وفائدة 
المصدر : السكينة للحوار

قراءة في كتاب خطاب القرآن لليهود والنصارى

كتاب ( خطاب القرآن لليهود والنصارى )
 هذا الكتاب : خطاب القرآن لليهود والنصارى

طبع هذا الكتاب في «كندا» باللغة الإنجليزية، وصدر منه حتى الآن ست طبعات بولاية أونتاريو «Ontario» ليخاطب غير الناطقين باللغة العربية، مسلمين وغيرهم، ثم طبع باللغة العربية.
ومؤلف الكتاب باللغة الإنجليزية هو من ترجمه ونقله إلى العربية؛ خوفًا من الخطأ والتحريف فتأتي النتيجة المرجوة عكسية.
المؤلف هو: عرفات العشي، ولد بمدنية غزة بفلسطين عام 1939م، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية فيها، ثم ذهب للقاهرة ودرس في كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة الإنجليزية.. تخرج عام 1962م، رحل إلى الكويت وعمل بها مدرسًا في مدارسها، وهناك حصل على الماجستير من جامعة البنجاب 1984م، وتابع دراسته في جامعة البنجاب وحصل على الدكتوراه عام 1991م، في دراسة الأديان المقارنة كان له برنامج ناجح ومشهور في تلفزيون الكويت باللغة الإنجليزية عن الإسلام والحياة، رحل إلى كندا في الثمانينيات من القرن الماضي، واشترك في تأسيس الجمعية الإسلامية العالمية التي صار رئيسًا لها في «اونتاريو» وخطيبًا وإمامًا للعديد من المساجد في تورنتو وألف العديد من الكتب.
وغيرها... وقد تقاعد الآن.
كتاب «خطاب القرآن لليهود والنصارى» المترجم يقع في 83 صفحة من القطع المتوسط، وهو كما كتب: هذا الكتاب عبارة عن مقتطفات من القرآن الكريم، تغطي معظم الآيات القرآنية الموجهة لليهود والنصارى باعتبارهم بني إسرائيل وأهل الكتاب، مبوبة تحت عناوين فرعية.
لذلك يرى الأستاذ عبدالله مبروك سعيد- من مركز اللغات بجامعة الكويت- في تقديمه لهذا الكتاب بعنوان «كلمة طيبة» أن هذه الرسالة القرآنية الهائلة والهادفة للدكتور عرفات العشي جاءت لتسد هذه الثغرة في دعوة أهل الكتاب- يهود ونصارى- إلى مراجعة موقفهم من الحق، ومن رسالة الحق الخاتمة قيامًا بواجب النصح والدعوة تجاههم لعلهم يتقون!
وهذا ما أكد عليه المؤلف من أن أنجح وسائل الدعوة بين اليهود والنصارى أن يوجه انتباههم إلى الآيات القرآنية التي تخاطبهم، فالقرآن ليس موجهًا فقط للمسلمين المؤمنين به، بل فيه خطاب لغيرهم، وخصوصا اليهود والنصارى، فهو دعوة الله للعالمين.

لقبان

يرى الكتاب أن القرآن الكريم حين يخاطب الفريقين معًا فإنه يخلع عليهم لقبين هما: يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب! وهما لقبا تشريف وتكليف معًا، فعندما يقول القرآن: يا بني إسرائيل، فإنه يذكرهم بأنهم أبناء النبي يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فأي شرف أعظم لهم من كونهم أبناء النبي يعقوب عبدالله ورسوله الذي وصى نبيه ألا يموتوا إلا وهم مسلمون.
وهو لقب تكليف: لأنهم أبناء النبي يعقوب ابن النبي إسحق ابن أبي الأنبياء إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فإن من واجبهم اتباع دين هذا النبي.
أما اللقب الآخر: يا أهل الكتاب فهو تشريف للمخاطبين من اليهود والنصارى فهو يذكرهم على أنهم أهل كتاب سماوي منزل على موسى وعيسى عليهما السلام، وهما أهل الكتاب- حملة الوحي الإلهي المتقدم يتبع هذا التشريف تكليف أن يتبعوا الوحي الأخير والرسالة الخاتمة المنزلة على قلب محمد "صلى الله عليه وسلم" .

القرآن وبنو إسرائيل

أكثر السور القرآنية التي تناولت سيرة بني إسرائيل كانت سورة البقرة، وسورة آل عمران وسورة النساء، وسورة المائدة، وسورة القصص.
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(البقرة: 40).
{يا بني إسرائيل اذْكُرُوا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} (البقرة: 47).
يذكرهم الله بأنه فضلهم على العالمين في زمانهم؛ لإيمانهم بالله، ثم يتابع القرآن استعراض تاريخ اليهود وكيف كانت أخلاقهم مع نبي الله موسى باتخاذهم العجل، وطلبهم رؤية الله جهرة! وتبديل طعامهم وأمرهم بذبح البقرة وقسوة قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.
وتنكرهم للجميل، ومنحهم الله فرصة للأمل بالعودة إلى الله من عصيانهم، ورفضهم المتكرر لرسالة الحق!
وبالرغم من النعم الكثيرة التي لا تحصى، والتي أنعم الله بها على اليهود عبر تاريخهم الطويل مع أنبيائهم فإنهم قد قابلوا ذلك بالتنكر للجميل وبالجحود وبسوء الأدب في الآية (64) من سورة المائدة {وَقَالَتِ الْيَهُوْدُ يَدُ اللهِ مَغْلُوْلَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيْهِمْ وَلُعِنُوْا بِمَا قَالُوْا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوْطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيْدَنَّ كَثِيْرًا مِّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوْا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِيْنَ} (المائدة: 64)، وزعمهم أن الله فقير وهم الأغنياء في سورة آل عمران (181-182)، ولذلك استحقوا اللعن على لسان أنبيائهم داود وعيسى ابن مريم في سورة المائدة (78)، وزعمهم أن إبراهيم كان يهوديًّا مثلهم كما زعم النصارى أنه واحد منهم، ولكن كان حنيفًا مسلمًا.

خطاب القرآن للنصارى

تناول القرآن الكريم عدة قضايا خلافية مع النصارى، وشرحها في سور وآيات كثيرة- دون تجريح أو سب- بل باعتبارهم أهل كتاب، ومن أبرز هذه القضايا قصة آدم والخطيئة الأولى والتي هي أساس العقيدة النصرانية.
وذلك في سورة البقرة الآيات (30 -31 إلى 36)، فآدم وزوجته لم يعمدا معصية الله، ولكن وقعا فيها بضعفهما، وتابا إلى الله فتاب عليهما وغفر لهما، ومكنهم في الأرض وجعل لهم فيها معايش، ورد ذلك في سورة الأعراف (10 - 18).
ومن القرآن أنه إذا كان أحد ملعون ومطرود من رحمة الله فهو إبليس، وليس آدم ولا حواء ولا الجنس البشري.
والمسألة الثانية: قصة السيدة مريم في سورة آل عمران وسورة مريم من نشأتها، ودعاء زكريا ربه، وبشارة الملائكة لمريم بكلمة منه اسمه عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين.. رسولًا إلى بني إسرائيل يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، ومصدقًا لما بين يديه من التوراة.
هذه باختصار رسالة عيسى للنصارى كما يذكرها القرآن في سورة آل عمران، وبدلا من أن يؤمنوا بالله ورسالته حارب بنو إسرائيل رسالته الجديدة، وزعمهم قتل السيد المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم.. ورد ذلك في سورة النساء الآيات (156-157).
كما رد القرآن على مزاعم النصارى بأن المسيح إلهًا{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} (النساء: 171)، كما ذكر القرآن بأن المسيح طلب من بني إسرائيل أن يعبدوا الله، وأن من يشرك بالله حرمت عليه الجنة: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة : 73).
ثم خاطبهم عن قصة الحواريين والمائدة، ودعاهم إلى التوبة، وذكرهم بالمشهد الأخير وحكم الله ومصير الصادقين منهم والكاذبين وذلك في الآية (119 -120)من سورة المائدة.
كانت أهم القضايا التي عالجها القرآن ألوهية عيسى والثالوث المقدس والحواريين، وقصة آدم وتوبته بعد الخطيئة، غير قضايا أخرى كثيرة كالأطعمة والأشربة والبيوع والزواج والطلاق وغيرها.

خاتمة

يسأل الكاتب: هل يفيق أهل الكتاب لدعوة القرآن الوحي الأخير المنزل من عند الله.. والذي يوضح لهم الطريق قبل فوات الأوان حيث لا ينفع الندم؟
هذا الكتاب- الخطاب - موجه بالدرجة الأولى لغير المسلمين من أهل الكتاب، وللمسلمين الذين يعيشون في بيئات ودول غير إسلامية حيث كتب باللغتين العربية والإنجليزية.
ويعود المؤلف فيسأل: هل هناك دين يدعو أتباعه مثلما يفعل الإسلام بالإحسان إلى مخالفيهم في الدين ماداموا لا يحاربونهم ولا يخرجونهم من ديارهم؟
إنها سماحة الإسلام التي لا مثيل لها.

السكينة 

موقف المسلم عند الفتن

الشيخ : إبراهيم بن محمد الحقيل

يتحتم على المؤمن مراجعة إيمانه، ومحاسبة نفسه بين وقت وآخر، ولا سيما في أوقات الفتن والمحن والابتلاءات، وأحوال علو الكافرين وطغيانهم، وظهور المنافقين وافترائهم، وضعف المؤمنين وانزوائهم، وذلك لئلا تميد بالمسلم الفتن فتخرجه من دينه أو تجعله يسيئ الظن بربه، فيظن أن ـ الله - تعالى - ـ لا ينصر أولياءه ولا يكبت أعداءه، وأن القوة المادية المحسوسة فوق كل قوة، وأنه لا اعتبار بعالم الغيبيات، وإذا تمادى به الظن السيئ إلى هذا الحد فيُخشى عليه من إنكار الغيب، ومن ثم إنكار الخالق جل جلاله، ونعوذ بالله ممن يكن هذا حاله!



ومن الناس من يتخلى عن دينه لا شكاً فيه وفي وعد ربه - تبارك وتعالى - ولكنه يستبطئ ذلك، فيتفلت من الأوامر والنواهي شيئاً فشيئاً، ويوجد لنفسه الأعذار والمسوّغات حتى يخرج من الإسلام وهو لا يشعر، ولا سيما إذا صاحب الفتن موجات من السخرية بالدين وأهله، ووصفهم بالأوصاف التي تنفر الناس منهم، وتجعلهم عرضة للإيذاء والابتلاء، كما هو الواقع في هذا الزمن من اتهامات باطلة للإسلام والمسلمين المتمسكين بدينهم، المعظمين لشعائره، المحافظين على ســننه وأحكامــه؛ إذ يوصفــون في الإعــلام العالمي ـ اليهودي والنصراني ـ والعلماني العربي بأوصاف تجرّمهم، ويُتهمون بتهم تخوّف الناس منهم، وذلك بقصد صرف الناس عن دينهم، وتخويفهم منه ومن شريعته، واستبداله بدين آخر ممسوخ تم صفه وإعداده في الدوائر السياسية والمؤسسات الأكاديمية الغربية، وتلقفه العلمانيون العرب، وعملوا له الدعاية في وسائل الإعلام المختلفة، وليس في هذا الدين الجديد حرام، ولا له حدود، ويؤمن بالحرية والديمقراطية وبكل المقررات العلمانية. إنهم باختصار يريدون أن يكون ديننا كدين النصارى الذي ما بقي منه من كثرة التحريف والمسخ إلا بعض الوصايا الأخلاقية التي ينطق بها رهبانهم على استحياء.



* أسئلة مهلكة:

إن من الناس من صاروا يتساءلون في الصحف والفضائيات، بعضهم يلمح وبعضهم يصرح بطريقة أو بأخرى، قائلين: أين رحمة الله - تعالى - بعباده المؤمنين الذين التزموا دينه، وأقاموا شريعته في أنفسهم وأهليهم ورعاياهم، واختاروا الإسلام الحق الذي أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - دون ما سواه! ها هم يوصمون بالتطرف والإرهاب وبكل نقيصة، ويوصفون بما ينفر الناس منهم!!



ها هم أولاء في بلاد الأفغان قد قُتلوا، وأُخرجوا من ديارهم، وشُردت أسرهم، واغتصب نساؤهم، وعذبوا واضطهدوا، وفقدوا مقومات الحياة من الأمن والطعام والكساء والمأوى. فأين رحمة الله - تعالى - بهم!!



وأين رحمة الله - تعالى - بأهل فلسطين وقد فعل بهم اليهود والنصارى ما فعلوا؛ من هدم ديارهم عليهم، وإتلاف زروعهم، ومصادرة أراضيهم، واعتقال أبنائهم، واغتيال النشطاء منهم، ولا سيما من يرفعون لواء الإسلام، وينادون به حلاً لقضيتهم.



وأين هي رحمة الله - تعالى - بالمسلمين في بلاد الشيشان المنكوبة التي يعيش نساؤها وأطفالها في مخيمات جليدية، لا يجدون أمناً ولا طعاماً ولا كساءً؟! وأين هي نقمة الله - تعالى - على أعدائه: اليهود والنصارى والهندوس والمنافقين؟! وأين كانت رحمة الله - تعالى - من قبل بالمسلمين الذين قُطعت أجسادهم واغتصبت نساؤهم، ويتُمت أطفالهم في البوسنة والهرسك وكوسوفا وكشمير والفلبين وبورما، وتيمور الشرقية وغيرها، ولا يزال من عذبوهم وسحقوهم يسرحون ويمرحون، وربما يقومون بمذابح جديدة، ويخططون لمصائب تنال المسلمين كما يفعل طاغية اليهود شارون؟!



إنها أسئلة بدأ المنافقون الماديون الذين لا يؤمنون بالله - تعالى -، وينكرون الغيب يلقونها بطريقة أو بأخرى عبر كثير من المنتديات الإسلامية؛ ليشككوا الناس في رحمة ربهم، بل في وجوده - تبارك و تعالى -، داعين إلى تحرير العقول مما يسمونه: خرافات دينية، وأطروحات عاطفية، وأحلام يقظة وردية، - تعالى - الله عن إفكهم وكفرهم علواً كبيراً.



وهذه الأسئلة ومثيلاتها ترد على قلوب ضعاف الإيمان عند كل نازلة تنزل بالمسلمين، ومصيبة تحل بهم، لكن ألسنتهم تعجز عن النطق بها؛ لأن ما في قلوبهم من إيمان ولو كان ضعيفاً يحفظ ألسنتهم من نطقها. ونعوذ بالله العزيز الحكيم من أن تلفظها أفواهنا، ونعتصم به - تبارك وتعالى - من أن ترد على أذهاننا، أو تنكت في قلوبنا؛ لأنها أسئلة مكتوبة على بوابة الإلحاد والزندقة، لا ترد على قلب عبد وينطق بها لسانه إلا ولج البوابة التي من دخلها لا يرجى خروجه منها إلا أن يرحمه الله - تعالى - بتوبة يرزقه إياها، فتصله قبل أن يصل إلى النار. وإلا فكيف ترد هذه الأسئلة ومثيلاتها على قلب مؤمن يوحّد الله - تعالى -، ويؤمن بوعده، ويعرف أسماءه وصفاته؟!



* ربنا أرحم بنا من أنفسنا:

ربنا ـ جل جلاله ـ قد وسع كل شيء رحمة وعلماً، فوسعت رحمته كل شيء، فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو - تعالى - أعلم بمصلحة العبد من نفسه.

والرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بالعبد من شق عليه في إيصال مصالحه، ودفع المضار عنه، ولهذا كان من رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على عباده المؤمنين من القتل والتعذيب والحرق والأسر والحبس والتهجير والجوع والخوف ونحو ذلك من البلايا؛ مما هو مشاهد في بلاد الأفغان على أيدي الأمريكان وحلفائهم، وفي الشيشان على أيدي الروس، وفي فلسطين على أيدي اليهود، وفي الهند على أيدي الهندوس، ومن قبل في البوسنة وكوسوفا على أيدي الصرب، وستظل هذه السلطة متصلة ما دام للأعداء قوة، وما دام المسلمون في ضعف.



وهذا الابتلاء للمسلمين هو من رحمة الله - تعالى - بهم، وهو من أعظم ما يحقق المصالح الدائمة لأولياء الله - تعالى - وأحبابه في الدنيا والآخرة،

ومن أهم تلك المصالح:

1 - التوبــة والإنابـة والرجــوع إلى الله - عز وجل - : كما قال ـ سبحانه ـ: {وَبَلَوْنَاهُم بِالْـحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]، فما يصيب المسلمين في أقطار كثيرة في هذا العصر من الأذى والقهر والتسلط من قِبَل أعدائهم؛ ما هو إلا من الابتلاء بالسيئات لعلهم يراجعون أنفسهم، ويعودون إلى دينهم، ويتعلقون بجانب ربهم - تبارك و تعالى -.



2 - استخراج الدعاء: فلولا هذه المصائب العظيمة التي نزلت بالمســـلمين لما ســمعت الخطباء في الجمع يجأرون إلى الله - تعالى - بالدعاء لإخوانهم المسلمين المنكوبين، وكذلك يفعل أئمة المساجد في قنوت النوازل، والمحاضرون في ختام محاضراتهم، بل حتى اللقاءات الدعوية والحوارية في بعض القنوات الفضائية، صار ضيفوها يختمون برامجهم بسؤال الله - تعالى - أن يكشف الكربة، وينصر المسلمين. وهذا من أعظم المصالح التي تحصل بسبب الابتلاءات، وقد بين الله - تعالى - أن هذا من مقاصد الابتلاءات التي تحصل للبشر، كما في قوله ـ سبحانه ـ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]، فالبأســاء والضـراء التي أصابت ـ ولا تزال تصيب ـ إخواننا في فلسطين وأفغانستان وكشمير والهند والشيشان وغيرها تسـتخرج التضـرع منهم، وتلجئهم إلى التعلق بالله ـ - تعالى - ـ ودعائه والانطراح بين يديه، بل إن كثيراً من المسلمين الذين يشاهدون عذاب إخوانهم تأثروا بذلك، لجأ كثير منهم إلى الله - تعالى -، وصاروا يكثرون من الدعاء والتضرع، وهذا مصلحته عظيمة لأهل البلاء خاصة، ولكل الأمة عامة؛ لأن الدعاء من أعظم العبادات التي يحبها الله - تعالى -. قال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - : «ينزل البلاء ليستخرج به الدعاء»(1)، وقال سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - : «ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه»(2). وقد قيل: «مصيبة تقبل بها على الله خير لك من نقمة تُنْسيك ذكر الله»(3).



3 - كشف المنافقين وفضحهم: فإن الأمور إذا استقامت للمسلمين، واستقر لهم الأمن، ولم يكن ثمة مخاطر تحيق بهم؛ دخل فيهم من ليس منهم من المنافقين وعبّاد الدنيا والمصالح الذاتية، ولا يبين حينئذ من هو صادق في إيمانه موقن بإسلامه مهما كانت النتائج، ممن يظهر الإسلام ويقيم بعض شعائره؛ لأنه أمام المسلمين، ولأن ضرورة العيش معهم تقتضي مسايرتهم ومجاملتهم.



وهذه الأحداث المعاصرة التي ابتدأت بانتفاضة الأقصى، ثم زاد اشتعالها في أحداث أفغانستان وباكستان والهند، قد أظهرت للمسلمين من كانوا في داخل الصف وقلوبهم مع الأعداء، وقد قال الله - تعالى - عقب غزوة أُحد: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْـمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْـخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَـكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179].



وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى - تعليقاً على هذه الآية: «أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أُحد، وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هـــؤلاء وهــؤلاء، فإنهــــم متميزون في غيبه وعلمه، وهــو ـ سبحانه ـ يريد أن يميزهم تميزاً مشهوداً، فيقع معلومه الذي هو غيب وشهادة»(1).



* هل حظ المؤمنين في الدنيا المحنة والابتلاء؟!

كثير ممن يعاصرون فترات الابتلاء والتمحيص، ومنها ما حصل من أمور بعد أحداث أمريكا، وما يحصل الآن في فلسطين وغيرها - يظنون أن حظ الفجار من كفار ومنافقين في الدنيا هو النصر والتمكين والغلبة، ليكون جزاؤهم في الآخرة العذاب المهين. وأصحاب هذا الظن الخاطئ تُشْكل عليهم آيات قرآنية تثبت أن الغلبة والنصر والتمكين للمؤمنين، نحو قول الله - تعالى -: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]، وقـوله ـ - تعالى - ـ: {وَإنَّ جُــــندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُــــونَ} [الصــافات: 173]، وقـــوله - تعالى - : {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، فيجدوا أنفسهم مضطرين إلى حملها على ما يحصل من العزة والكرامة والتمكين للمؤمنين في الآخرة.



ولا شك في أن هذه الطريقة الخـــاطئة مصادمة لوعــد الله - سبحانه و تعالى - بالتمكين لعباده المؤمنين في الدنيا قبل الأخرى، كما في قوله ـ سبحانه ـ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، وقوله ـ - تعالى - ـ: {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51].



وهذه الطريقة مع مصادمتها لصريح القرآن؛ فإن فيها أيضاً سوء ظن بالله - سبحانه و تعالى -، ومخالفة لمقتضى حكمته في عباده، ورحمته بهم، وتلك هي طريقة المبتدعة الذين يظنون بالله ظن السوء، كما كان الجهم بن صفوان رأس الجهمية نفاة الأسماء والصفات؛ يخرج بأصحابه إلى الجذامى وأهل البلاء والأمراض والجنون ثم يقول لهم: «انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا»(2)، يريد إنكار رحمة الله - تعالى - كما أنكر حكمته.



وهذه الظنون الفاسدة التي قد تقع في قلوب ضعاف الإيمان من المؤمنين، وينطق بها المنافقون مبنية على مقدمتين مهمتين:



المقدمة الأولى: حسن ظن العباد بأنفسهم، واغترارهم بأعمالهم، واعتقادهم أنهم قائمون بأمر الله - تعالى -، وهم فيهم من الفساد والعصيان والمنكرات ما لا يقدر قدره إلا الله - تعالى - من كثرته، فلا ينظرون إلى عصيانهم وإساءتهم، ولا يبحثون في الأسباب الحقيقية لتخلف نصر الله - تعالى - عنهم.



المقدمة الثانية: اعتقادهم أن الله - تعالى - قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش عمره مظلوماً مقهوراً مستضاماً، مع قيامه بما أمر الله - تعالى - ظاهراً وباطناً، وانتهائه عما نهى عنه باطناً وظاهراً.



وهذان المعتقدان كانا سبباً في ضلال كثير من الناس، وفساد قلوبهم، فأقعدهم الأول عن محاسبة أنفسهم، وتوبتهم من ذنوبهم، وأحدث عندهم الغرور بأعمالهم، فتخلف عنهم نصر الله - تعالى - في الدنيا، ويخشى عليهم من عذابه في الآخرة بسبب ذنوبهم وعصيانهم، وتقاعسهم عن القيام بأمر الله - سبحانه و تعالى -.



وأقعدهم الثاني عن نصرة إخوانهم المسلمين المستضعفين المستضامين في مشارق الأرض ومغاربها؛ لاعتقادهم أن حظ المؤمنين في الدنيا العذاب والبلاء، وأن حظ الكافرين فيها النصر والغلبة والنعيم، وهذا سوء ظن بأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، ومخالفة صريحة لمقتضى حكمته - تبارك وتعالى -(3).



قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - تعالى - : (نذكر هنا نكتة نافعة، وهو أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيراً من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب، وما يصيب كثيراً من الكفار والفجّار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور، وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلاً، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأن العاقبة للتقوى.. وهو ممن يصدق بالقرآن؛ حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط، وقال: أما الدنيا فما نرى بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة والنصرة، والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس، ويعتمد على هذا فيما إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين، وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق..)، إلى أن قال: (والمقدمتان اللتان بنيت عليهما هذه البلية؛ بناهما على الجهل بأمر الله ونهيه وبوعده ووعيده، فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق؛ فقد اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور، وهو على العكس من ذلك، وهذا يكون من جهله بالدين الحق، وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدينا، قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور على أهل البر، فهذا من جهله بوعد الله - تعالى -.



أما الأول فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها وبوجوبها، وما أكثر من يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها، بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم، ويترك ما أوجب، وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وأن خصمه هو الظالم المبطل من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل.



وأما الثاني فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء معذبين؛ بخلاف من فارقهم إلى طاعة أخرى وسبيل آخر.



ولهذا أمر الله - تعالى - رسوله والمؤمنين باتباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى، وأمرهم بانتظار وعده وهي المقدمة الثانية، وأمرنا بالاستغفار والصبر لأنهم لا بد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار، ولا بد مع انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتم الطاعة، وبالصبر يتم اليقين بالوعد.. كما قال - تعالى - : {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْـحَاكِمِينَ} [يونس: 109]).



ويؤكد شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - على أن حصول النصر وغير ذلك من أنواع النعيم لطائفة أو شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى، وذلك أن الخلق كلهم يموتون، فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عد القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس، بل الفتن التي تكون بين الكفار، وتكون بين المختلفين من أهل القبلة ليس مما يختص بالقتال، فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة، وهي المصائب التي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وغيره، ومن جوع وغيره، وبأسباب خاصة، فالذين يعتادون القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل، بل الأمر بالعكس كما قد جربه الناس، ثم موت الشهيد من أيسر الميتات(1).



ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الشكر، لابن أبي الدنيا، ص 132.

(2) الفرج بعد الشدة، لابن أبي الدنيا، ص 22.

(3) تسلية أهل المصائب، ص 226.

(1) زاد المعاد، (3/220).

(2) انظر: النبوات، لشيخ الإسلام، ص 247، ومنهاج السنة النبوية، (3/32)، ومجموع الفتاوى، (17/102)، وشفاء العليل، ص 202، وإغاثة اللهفان، (2/177).

(3) لشيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - كلام متين في هذا الموضوع في رسالته قاعدة في المحبة، (140 ـ 190)، وعنه نقل ابن القيم في إغاثة اللهفان، (2/173 ـ 187)، وهو مما يحتاج المسلم إلى قراءته وتأمله في مثل هذه الأحوال المعاصرة، والأحداث المزلزلة التي زلزلت إيمان كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز.



(1) قاعدة في المحبة، لابن تيمية، ص 149، وعنه ابن القيم في إغاثة اللهفان، (2/177) وما بعدها.

همم مؤمنة .. وأخرى خاسرة

بسم الله الرحمن الرحيم 

 أغلى شيء في الدنيا هو الحياة، وأثمن من الحياة، ما تبذل الحياة لأجله، وأعز ما خُلق على وجه الأرض، هو: ما خلقت الأشياء لأجله وهو الإنسان، وأفضل من الإنسان وأكرم، التضحية في سبيل الله لإعزاز دينه، ورفعة كلمته إن الله اشترى"من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون (التوبة:111)، قال عبادة بن الصامت للمقوقس حاكم مصر:"إن همتنا في الجهاد في سبيل الله، وابتغاء رضوانه، وليس رغبة في الدنيا ولا الاستزادة منها"، فرد عليه المقوقس قائلاً:"لعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على أعدائكم إلا لحبهم للدنيا ورغبتهم فيها".
وعلى هذا، فهمم الناس في الحياة ثلاث:

1 همة غايتها المأكل والمشرب، وهذا هو الحيوان والكافر والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم 12 (محمد)، لا همّ لهم إلا البطون التي يبيعون في سبيلها كل مرتخص وغال، لها يصول أحدهم ويجول، ويرغي ويزبد، ويوالي ويعادي.

2 همة غايتها الملك والسلطان والمنصب والجاه والرياسة والزعامة، وقد تبيع كل شيء في سبيل الوصول، وتفعل أي شيء لأجل الكرسي، وهي بهذا مشروع فساد وغرور وقهر وبغي إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون 34 (النمل)، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون 11 ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون 12 (البقرة).

3 همة عزيزة، غايتها رضاء الله وإعلاء كلمته لتكون العليا، ونصرة دينه، ورفعة كتابه، لتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وهذه همة منصورة وإن بعدت الشقة وطال الطريق ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 40 (الحج)، ومرزوقة وإن كان الرزق في خبايا الأرض أو في عنان السماء، ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه (الطلاق)، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) (هود)، وسيكون لها الملك والسلطان العادل، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم 247 (البقرة)، ستأتيها الدنيا وهي راغمة لأنها في حاجة إليها، وفي شوق إلى صلاحها وعدلها ورحمتها الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور 41 (الحج)، لقد جاءت الدنيا راغمة إلى عرب الصحراء وفتحت أمامهم الممالك، وسعدت في جوارهم البشرية بعد شقاء دام طويلاً، أرسل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -قبل معركة القادسية"ربعي بن عامر"رسولاً إلى"رستم"قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسه بالنمارق وأنواع المفروشات، وأظهروا اليواقيت واللآلئ الثمينة التي يتحلون بها، وكان على رأس رستم تاجه المرصّع باللآلئ النادرة، وقد جلس على سرير من ذهب، أما"ربعي بن عامر"فقد دخل عليه بثياب خفيفة وترس وفرس قصير، وأقبل وعليه سلاحه، وبيضته على رأسه، فقالوا له ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني وإلا رجعت، فقال"رستم"ائذنوا له، فدخل عليه فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فأجابه"ربعي":"الله ابتعتنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
هذه حقائق تروى، وتاريخ يقرأ، ووقائع مسطورة في تاريخ الأمة، لا يرقى إلى درجتها أو يبلغ إلى مستواها إلا من استفاد من عقيدته وإيمانه الذي لا يكل ولا يمل ولا يعرف المستحيل، ولا يحس بالبأس أو القنوط، أو يضن بالتضحيات والنفس والنفيس، فيا شباب الإيمان ودعاة اليقين. ستعتريكم صعاب وعقبات، وسدود وقيود، وإحباطات وتخاذلات، ستفجعون في الكثير ممن تعلقون عليهم الآمال، فلا تيأسوا فأنتم أقوى بالإيمان من اليأس، وبالعزيمة الصادقة من القنوط، وبالهمة العالية من القعود والنكوص، حسبكم أنكم رواد أمة عظيمة وطلائع فتح مبين ونصر عظيم، حسبكم أنكم الرجال الذين تسلموا الراية وصدقوا العهد، وساروا على هدي المرسلين، بقلوبكم السليمة، وإخلاصكم النبيل.

فيا أيها العابدون لله بدفاعكم عن أمتكم، وصدكم أعداء الله من اليهود وأشياعهم ومن هاودهم وناصرهم، واستكان لهم، لقد سلكتم طريق الأحرار، وتنكبتم طريق العبيد، أيها الخاشعون لله، لقد أدركتم عظمة دينكم، وقدسية رسالتكم، فهنيئاً لكم بطمأنينة قلوبكم، واستقامة سيرتكم وصدق رسالتكم، وهنيئاً لكم ثواب المجاهدين وأجر الصادقين.

فيا رب أنت تعلم أن هؤلاء لأمتهم نصر، ولدعوتك جنود، كالملائكة طهراً، وكالصديقين إيماناً، وكالأسود شجاعة، وكالماء عذوبة، وكالشمس ضياء، وكالهواء صفاء، قد جمعتهم يدك على الهدى، ولملمتهم دعوتك على بعد المدى، يحاربون من هم أكثر منهم عدداً، وأقوى سلطاناً، وأعز جنداً، وأقوى فتنة، وأعتى سلاحاً، وأشد إغراء.

ولكنهم لا يستكثرون بالعدد، ولا يتقوون بالسلطان، ولا يعتزون بالجند، ولا يعبأون بالفتنة، ولا يتأثرون بالإغراء، قوتهم بعبادتك، وعزتهم بجبروتك، وسلاحهم من شريعتك، وفتنتهم بجنتك، وغرامهم بثوابك، وهيامهم برضاك، هجروا في سبيلك المضاجع، وفارقوا من أجلك الملذات، وتحمَّلوا لمرضاتك العذاب والآلام، وحُرِموا للجهاد فيك قرب الأهل والولد، ولذيذ العيش، وطيب المقام، فصنهم يا رب من بطش اليهود والظالمين، ونحِّ عنهم خبث المستغلين، ودسائس المفسدين، وقيادة الجبناء والمغرورين والمراوغين، ووسِّع مداركهم، وسدِّد خطوهم، وأصب رميهم، واجعلهم عزاً لدينك، وذخراً لأمتهم، وهناء لشعوبهم، واجعلهم من المنصورين الفائزين، ولا تتخل عنهم، وارحمهم ورحمتك وسعت كل شيء، فهم على العهد محافظون، وعلى الوفاء مقيمون، وللجلال خاشعون، وبالعبودية سائرون، وبالهيبة مأخذون!!.

يا فتية الإسلام: يكاد والله المتأمل اليوم في أرجاء الأمة أن يرى نور الفجر من وراء الأفق البعيد، يوشك أن يطلع الإصباح ليخرج الحيَّ من الميت، ويملأ الدنيا ضياء وسنا، فهذه الأمة المجيدة لا ترضى إلا بالصدارة إن شاء الله، وإن ظهرت العقبات، وتوالت النكبات، ولكنه وفي عهد قريب إن شاء الله سيتصل آخر الأمة بأولها، ويلتقي خَلَف الأمة بسلفها، ويكون الفتح المبين والنصر العظيم، فلقد:

عشنا أعزاء ملء الأرض ما لمست
جباهنا تربها إلا مصلينا
لا ينزل النصر إلا فوق رايتنا
ولا تمس الظبا إلا نواصينا
فقبِّلوا أرض حطين فإن بها
دم البطولة من أيام حطينا
فيا شباب الأمة: كونوا على العهد سائرين، وللوعد صادقين، وللمجد عاملين، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.