السبت، 28 أبريل 2012

وما يُدريك؟ لعل هذا المُحتقَر يُساوي آلاف البشر

 
الشيخ :عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يُراد معرفة شخص ما.. فإنه يُسأل عن:
عملـه!
أو عن مالِـه!
أو عن وضعه الاجتماعي!
أو عن قبيلته وعشيرته!

وهذه الموازين لم يحفل بها الإسلام، ولم يولِها عناية كما يوليها الناس اليوم.

فـ"كم من أشعث أغبر ذي طمرين. لا يؤبه له. لو أقسم على الله لأبرّه"
و"رب أشعث مدفوع بالأبواب. لو أقسم على الله لأبرّه"

ثيابه بالية... غير ذي شأن... لا يؤذن له. بل يحجب ويُطرد لحقارته عند الناس.
ولكنه عند الله ليس بمحتقر.
بل هو عند الله عظيم.
يُساوي الآلاف ممن أُوتي الدنيا!

مـرّ رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: ما تقولون في هذا؟
قالوا: حريٌّ إن خَطَب أن يُنكح، وإن شَفَع أن يُشفع، وإن قال أن يُستمع.
قال: ثم سكت.
فمـرّ رجل من فقراء المسلمين. فقال: ما تقولون في هذا؟
قالوا: حَريٌّ إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. رواه البخاري.

هذا في المقاييس الشرعية

أما في مقاييس الناس فبحسب ما يملك... وبقدر ما يرفعه الدينار والدرهم! أو بِمَا له من مكانةٍ ومنصب!

وما هذه – بموازين الشرع – إلا أقل من بعض جناح بعوضة! وليست بِعلامة على رضا الله عن العبد؛ لأن الله يُعطي الدنيا من يُحبّ ومن لا يُحب لهوانها عنده.
وما هذه الأشياء بدليل كرامة العبد على ربِّـه.
وإلا لما اختار نبي الله – صلى الله عليه وسلم – أن يكون عبداً رسولا.

ولقد مات مصعب بن عمير ولم يترك إلا ثوباً، كانوا إذا غطوا به رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطي بها رجلاه خرج رأسه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: غطوا رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر.

لقد كان كريماً مُكرّماً عند الله، ولكن المظاهر لا تُسمن ولا تُغني من جوع!

وهذا سيّد من سادات التابعين... يُخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أوانه.
بل ويوصي فاروق الأمة بأن يطلب منه الدعاء!
فقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا أتى عليه أمدادُ أهل اليمن سألهم: أفيكم أويسُ بن عامر؟
حتى أتى على أويس. فقال: أنت أويسُ بن عامر؟
قال: نعم.
قال: من مراد، ثم من قَرَن؟
قال: نعم.
قال: فكان بك برص، فَبَرأت منه إلا موضع درهم؟
قال: نعم.
قال: لك والدة.
قال: نعم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بـها برٌّ. لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل. فاستَغفِرْ لي. فاستغفر له.
فقال له عمر: أين تريد؟
قال: الكوفة.
قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟
قال: أكون في غبراء الناس أحبُّ إليّ!
قال: فلما كان من العام المقبل حجّ رجل من أشرافهم فوافق عمر، فسأله عن أويس.
قال: تركته رثَّ البيت، قليل المتاع.
قال عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبَرأ منه إلا موضعَ درهم، له والدةٌ هو بـها بـرٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل.
فأتى أويسا فقال: استغفر لي.
قال أنت أحدث عهدا بسفر صالح، فاستغفر لي.
قال: استغفر لي.
قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح، فاستغفر لي.
قال: لقيتَ عمر؟
قال: نعم.
فاستغفر لـه، ففطن لـه الناس، فانطلق على وجهه. رواه مسلم.

هذه صفته: رثَّ البيت، قليل المتاع!

وما ضـرّه ذلك.

أليس الإمام الفـذ، والعالم النحرير، والرجل الشريف جبل العِلم محمد بن إدريس. الإمام الشافعي هو الذي يقول:
عليّ ثـيابٌ لـو تُـباع جميعهـا *** بفلس لكان الفلـس منهن أكـثرا
وما ضرّ نصل السيف إخلاق غِمده *** إذا كان عضباً حيث وجّهته بَرَى
فـإن تكـن الأيام أزرت ببـزّتي *** فكم من حسام في غلاف تكسّـرا

وما ضـرّه ذلك.

بل هو حيٌّ يعيش بيننا
وهو القائل:
كم مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ!

وهو من الصنف الثاني:
الناسُ صنفان: موتى في حياتهمُ *** وآخرون ببطن الأرض أحياء

فليست قيمة الإنسان بما يلبس من ثياب، ولا بما يركب من مراكب، ولا بما يتبوأ من مناصب.

وقد دخل رجل على الرشيد فازدراه الرشيد، فأنشده:
ترى الرجل الخفيف فتزدريه *** وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير فتبتليه *** فيخلف ظنك الرجل الطرير
لقد عظم البعير بغير لب *** فلم يستغن بالعظم البعير
يصرفه الصبي بغير وجه *** ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي *** فلا عار عليه ولا نكير
فإن أكُ في شراركمو قليلا *** فإني في خياركمو كثير

أيها الكرام:
لقد أدركت من أدركت من علمائنا وليس لهم قصور فاخرة... ولا سيارات فارهة، بل – والله – إن بعضهم لو جُمعت ملابسه وبيعت في السوق لربما ما وجدت من يشتريها! لزهادتها.

وما ضـرّهم ذلك.

بقي ذِكرهم... وعِلمهم... وطلابهم بلغوا الآفاق.

وهذا الذي ينفع عند الله.

كم تأخذ عقولنا - قبل أبصارنا - المظاهر الجوفاء، فنحتقر بسببها – أحياناً – بعض عباد الله.
إما لجنس أو لِلون أو لجنسية أو لانتماء إلى بلد ونحو ذلك.
وربما كان ذلك المحتقر في أعيننا يساوي ملء الأرض من مثلنا
ربما كان عاملاً فقيرا
أو خادمة ذليلة

أو...

ولكنه عند الله عظيم القَـدْر، رفيع الشأن.

فكم هي الموازين التي بحاجة إلى تعديل
وكم هي الأمور التي بحاجة إلى ضوابط شرعية لا ضوابط أرضية

جال هذا في خاطري وأنا أرى رجلاً قوي الساعد مفتول العضلات يُهدد عاملاً يفترش الأرض ويبيع السِّواك، ويقول له: إن لم تقُم عن هذا المكان ركلتك وبضاعتك!!!

ماذا لو كان هذا البائع خليجياً؟؟؟!!!
لا شك أن النظرة سوف تختلف!!!

أليس كذلك؟؟؟

بـلـى!!!

وأستودعكم الله.

أطفال من نطف حرام !!

أطفال من نطف حرام !!

رياض بن محمد المسيميري

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد :

حدثني إمام أحد الجوامع فقال : ( خرجتُ لصلاة الفجر قبل أيام فلما أقبلت على مسجدي إذا بأحد جماعة المسجد واقفاً أمام مدخلي إلى محراب المسجد وقد علاه الارتباك وامتلكه الخوف، وغشيته الدهشة والحيرة ولم احتج إلى سؤاله عمّا به لأنَّ صُراخ الرضيع الصغير الذي بجواره أجاب على كل تساؤلاتي!!

فحملت الطفل - الذي كان يلفحه البرد ويتعالى صراخه- إلى داخل المسجد ووضعته في مقدمة المسجد ثم أقمت الصلاة وأتممتها خفيفة وقد امتزجت صيحات الصبي بصيحات المصلين الذين لم يكونوا هم كذلك بحاجة إلى شرح وتفصيل حول ملابسات الموضوع فالكل يعلم ماذا يعنيه إلقاء طفل رضيع أمام باب المسجد في صلاة الفجر وسط جو صحراوي بارد !!

وبعد الفراغ من الصلاة اتصلت بالأمن فهرعت إحدى الدوريات واستلمت الأمانة ولم أعد أعلم ما الذي جرى عقب ذلك !!) انتهى كلامه .
أقول انتهى كلامه ، لكنّ المأساة لم تنته بعد ...!!
ولنا إزاء هذا الحادثة المؤلمة عدة وقفات :

1- ها نحن بدأنا نجني ثمرات الفضائيات والقنوات وبرامج ستار أكاديمي .

التي أجّجت الشهوات في نفوس الشباب والفتيات فتركتهم صرعى الرذيلة وقتلى الفاحشة الكبرى والله المستعان ..

ولطالما بُحّت حناجرنا ، وتعالت أصواتنا مطالبين بإيقاف هذا الطوفان المدمر رأفة بأخلاقنا وأعراضنا دون جدوى بل إنّ الأثرياء ليتسابقون إلى بث قنوات جديدة أكثر إغراء , وأعظم فتنة !!
بينما جمهور المشاهدين يتنافسون في نصب أكثر الأطباق استيعاباً لتلك القنوات وأجودها نقاء وصفاءً !!

2- الوقفة الثانية : التربية الهشّة بين المنزل والمدرسة :

لقد أثبتت هذه الظاهرة الخطيرة ضعف التربية لدى الأجيال وتقصير كل أطراف العملية التربوية بدءً من البيت وانتهاء بالمدرسة وبدءً من المدرسة وانتهاء بالبيت!!

كما أثبتت هذه الظاهرة الغياب التام للآباء والإخوة بل والأزواج عن بناتهم وأخواتهم وزوجاتهم !!

وإلّا ما معنى أن تقيم الفتاة أو المرأة علاقة مع رجل أجنبي عنها بدءً بالهاتف ومروراً بالخروج معه وانتهاء بحمل الجنين تسعة أشهر في أحشائها سفاحاً ثم ولادته وإلقائه أمام محاريب المساجد ، دون أن يشعر أحد بها من ذويها ؟!


أين الأب طوال هذه المدة ؟َ !
أين الأخ طوال هذه المدة ؟!
أين الزوج طوال هذه المدة ؟!
أجيبوا بربكم أجيبوا !!


وآحرّ قلباه !! وآحرّ قلباه على أعراض المسلمات !! فيا معشر الآباء والإخوان والأزواج أفيقوا من غفلتكم, واحرسوا نسائكم فالمجتمع ملئ بالذئاب الضارية التي تناسلت بفعل البث الفضائي الماجن ، ومن زرع الشوك لا يجني العنب !! .


3- الوقفة الثالثة : مع الشباب والفتيات المبتلين :


أيها الشباب والفتيات اتقوا الله في أعراضكم ، واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون !!

وإنّ لكم في الحلال الطيب غنية عن الحرام الخبيث ، فدونكم الزواج الشرعي ، فبادروا إليه تُعفّون به فروجكم وتغضون به أبصاركم ، وترضون به ربكم !!

أيسركم أن تتحدوا إرادة ربكم ، وتتجرأوا على شرع إلهكم ، وتقذفوا نُطفاً حراماً في أرحام محرمة؛ فتتخلق الأجنة الحرام في بطون الحرائر المسلمات, ثم تقذفون بالأجنة على أبواب المساجد ليلاقوا – بلا ذنب أو جريرة – مصيراً أسود ، ومستقبلاً قاتماً, وعاراً دائماً !! ؟؟


ألا فاتقوا الله ، ولا يستخفنكم الشيطان ، والنزوة الطائشة ، والمتعة القصيرة ، فتفتضحون ديناً وآخرى وما ربك بظلام للعبيد !!


و صلى الله على نبينا محمد و الحمد لله رب العالمين

جحور الضبّ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد:
لقد تفضل الله على هذه الأمة فأكمل لها دينها ، وأتمَّ عليها النعمة ، فرضي لها أعظم دين عرفته البشرية ، وأرسل لها أفضل مخلوق صلى الله عليه وسلم ، وأنزل لها أجل كتاب ، إنه اصطفاء تكريم ونجاة ، فأدركت الأمة في قرونها الأولى حجم هذا التكريم ، فأحسوا بمسؤولية عظيمة أمام الله تعالى تجاه هذا الدين العظيم ، ليس في أنفسهم فحسب ، بل في كل قطر من أقطار الأرض ، فراحوا يفتحون البلدان ، ويجوبون الفيافي ، ويقطعون الوديان ، ليبلغوا دين الله تعالى ، حتى حكمت الخلافة أرض الله عز وجل ، فأصبح المسلمون مناراً يهتدى به ، ونبراساً يستضاء بنوره ، أمتهم قائدة ، وبالحق ظاهرة .
ملكنا هذه الدنيا قرونا *** وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء *** فما نسي الزمان وما نسينا
ودارت رحى السنين ، لتطحن في شبابنا هويتهم الإسلامية ، فضعفت الهمم ، وانهزمت أمام تيارات الغرب والشرق ، حتى لهى شبابنا بأتفه الأمور ، وأهون الأشياء ، فتناسوا تاريخهم ، وانشغلوا عن ماضيهم ، فأضاعوا حاضرهم ومستقبلهم ، فانساقت منهم طائفة خلف وهم السعادة ، يبحثون عنها فلم يجدوا إلا سرابها .
وما فتئ الزمان يدور حتى *** مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يرى في الركب قومي *** وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر *** سؤال الدهر أين المسلمونا
نعم أين المسلمون : وقد تعلقت فئة من شبابهم بأذيال أرذل الخلق ، فتشبهوا بأخلاقهم ، ولباسهم ، وعاداتهم ، حتى أصبح الفخر بما يلبسون ، وما يتكلمون ، وما يفكرون .
وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة الذي خشي على أمته من هذا الانصياع والتراجع عن الدين فقال
: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ، حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ )) رواه البخاري ومسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاع ،ٍ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ ؟ فَقَالَ : وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ )) رواه البخاري.
فتأمل _ يا رعاك الله _ كيف أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ، ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم .
واليوم نشهد جميعاً أحوالاً غريبة وتصرفات مريبة من بعض شبابنا هدانا الله وإياهم : اللباس غير لباسنا ، والألفاظ غريبة على لغتنا ، حتى حاولوا تغيير الخلقة لتناسب الطريقة الأجنبية !!
وليت أن الأمر استقر على طريقة واحدة فحسب ، بل ما بين فترة وأخرى نرى أشكالاً جديدة ، ملامحها : البعد عن سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم و هدي السلف الصالح رضي الله عنه ، فحينما نتساءل عن هذا الوضع ، نجاب بأنها الموضة الجديدة التي يشاهدها أبناؤنا عبر بعض القنوات الفضائية !! ولو تأملت فيها لوجدت أن غايتها تأنيث الرجال ، وقتل حياء النساء .
وليحذر المسلمون من أن يعتقدوا أن التشبه قضية سطحية لا عمق لها ، بل إن لها أبعادًا خطيرة ، وخطيرة جداً ، وهذه الأبعاد أدركها سلفنا فأبوا أن يقلدوا الكفرة في كل صغير وكبير ، فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : (( أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهديًا ، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة ، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا )) .
فهل أدركت يا أخي أن التشبه في المظهر قد يوصل إلى الانسلاخ من الدين والعقيدة !!
لنتساءل : لماذا نصوم يوماً قبل عاشوراء أو يوماً بعده ؟ صحّ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : (( صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود )) أخرجه عبد الرزاق والبيهقي وغيرهما .
لنتأمل : لماذا رسول الأمة صلى الله عليه وسلم يأمر بإعفاء اللحى وحف الشوارب ؟ يقول صلى الله عليه وسلم : ((جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ )) رواه أحمد وهو صحيح .
ليعلم الذائبون من شبابنا في تفاهات التشبه بالكفرة والملحدين أن التقليد في الأزياء والعادات لن يرضي من يقلدون ويتمثلون ، حتى يتبعوهم في ملتهم ، وهذا مصداق قول الله تعالى : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } .
إن سببًا خفيًا وراء هذه التقليعات الغريبة على ديار الإسلام لم يكن سريانه في النفوس في وقت قصير أو بطرق قليلة ، بل أخذ وقتًا من أعداء الدين وجهدًا ليسا باليسيرين ؛ ألا هو الهزيمة النفسية ، وسحق الثقة في تعاليم الدين ونصرته ، وغرس فكرة اقتران الرجعية بالإسلام ،وأن الحضارة صناعة الغرب فحسب !!
غير أنه من لب القول هنا في هذا المقام أن أنوه بالجهود الخيرة التي تبذلها المؤسسات التعليمية في بلادنا الحبيبة التي تجبر الطلاب على نبذ التقليد الأعمى لغير المسلمين ، يتمثل ذلك في منعهم من ارتداء أنواع من الملابس التي تحمل شعارات هدامة ، أو صور تافهة ، وإلزام الفتيات بزي موحد شعاره الحشمة والأدب ، وإنزال العقوبات الرادعة بكل من يخل بتعاليم الدين وهدي خير المرسلين ، فالحمد لله على نعمة الإسلام وعلى تطبيقه ، اللهم دلنا إلى تعاليم دينك ، وحبب إلينا سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، إنك سميع مجيب .

خلق الجان وقصة الشيطان

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله - تعالى -: "خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وقال - تعالى - وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُوم".

وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد من مارج من نار قالوا من طرف اللهب وفي رواية من خالصه وأحسنه وقد ذكرنا آنفا من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه مسلم قال كثير من علماء التفسير خلقت الجن قبل آدم - عليه السلام - وكان قبلهم في الأرض الحن والبن فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم بسبب ما أحدثوا وذكر السدي في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة وذكر الضحاك عن ابن عباس أن الجن لما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء بعث الله إليهم إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض إلى جزائر البحور.
وقال محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يرتكب المعصية عزازيل وكان من سكان الأرض ومن أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان من حي يقال لهم الجن وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه كان اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة من أولي الأجنحة الأربعة وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا وكان له سلطان الأرض وقال صالح مولى التوأمة عن ابن عباس كان يسوس ما بين السماء والأرض رواه ابن جرير وقال قتادة عن سعيد بن المسيب كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
وقال الحسن البصري لم يكن من الملائكة طرفة عين وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل البشر وقال شهر بن حوشب وغيره كان إبليس من الجن الذين طردوهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء رواه ابن جرير قالوا فلما أراد الله خلق آدم ليكون في الأرض هو وذريته من بعده وصور جثته منها جعل إبليس وهو رئيس الجان وأكثرهم عبادة إذ ذاك وكان اسمه عزازيل يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك وقال أما لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك فلما أن نفخ الله في آدم من روحه كما سيأتي وأمر الملائكة بالسجود له دخل إبليس منه حسد عظيم وامتنع من السجود له وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فخالف الأمر واعترض على الرب - عز وجل - وأخطأ في قوله وابتعد من رحمة ربه وأنزل من مرتبته التي كان قد نالها بعبادته وكان قد تشبه بالملائكة ولم يكن من جنسهم لأنه مخلوق من نار وهم من نور فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه ورجع إلى أصله النار فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وقال - تعالى - وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا.
فأهبط إبليس من الملأ الأعلى وحرم عليه قدرا أن يسكنه فنزل إلى الأرض حقيرا ذليلا مذءوما مدحورا متوعدا بالنار هو ومن اتبعه من الجن والإنس إلا أنه مع ذلك جاهد كل الجهد على إضلال بني آدم بكل طريق وبكل مرصد كما قال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا.
وسنذكر القصة مستفاضة عند ذكر خلق آدم - عليه السلام -، والمقصود أن الجان خلقوا من النار وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون كما أخبر - تعالى - عنهم في سورة الجن وفي قوله - تعالى - وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ      وقال - تعالى - قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ - تعالى - جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا.
وقد ذكرنا تفسير هذه السورة وتمام القصة في آخر سورة الأحقاف وذكرنا الأحاديث المتعلقة بذلك هنالك وأن هؤلاء النفر كانوا من جن نصيبين وفي بعض الآثار من جن بصرى وأنهم مروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم يصلي بأصحابه ببطن نخلة من أرض مكة فوقفوا فاستمعوا لقراءته ثم اجتمع بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة كاملة فسألوه عن أشياء أمرهم بها ونهاهم عنها وسألوه الزاد فقال لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل روثة علف لدوابكم ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجي بهما وقال إنهما زاد إخوانكم الجن ونهى عن البول في السرب لأنها مساكن الجن وقرأ عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة الرحمن فما جعل يمر فيها بآية فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إلا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وقد أثنى عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتوا فقال الجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليم فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد رواه الترمذي عن جابر و ابن جرير والبزار عن ابن عمر.
وقد اختلف العلماء في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يكون جزاء طائعهم أن لا يعذب بالنار فقط على قولين الصحيح أنهم يدخلون الجنة لعموم القرآن ولعموم قوله - تعالى - وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فامتن - تعالى - عليهم بذلك فلولا أنهم ينالونه لما ذكره وعده عليهم من النعم وهذا وحده دليل مستقل كاف في المسألة وحده والله أعلم.
وقال البخاري حدثنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدري قال له إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انفرد به البخاري دون مسلم.
وأما كافرو الجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الأكبر إبليس عدو آدم أبي البشر وقد سلطه هو وذريته على آدم وذريته وتكفل الله - عز وجل - بعصمة من آمن به وصدق رسله واتبع شرعه منهم كما قال إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا وقال - تعالى - وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وقال - تعالى - يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وقال وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ.
وقد ذكر - تعالى - هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وههنا وفي سورة سبحان وفي سورة طه وفي سورة ص وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير ولله الحمد وسنوردها في قصة آدم إن شاء الله.
والمقصود أن إبليس أنظره الله وأخره إلى يوم القيامة محنة لعباده واختبارا منه لهم كما قال - تعالى - وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وقال - تعالى - وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ.
فابليس لعنه الله حي الآن منظر إلى يوم القيامة بنص القرآن وله عرش على وجه البحر وهو جالس عليه ويبعث سراياه يلقون بين الناس الشر والفتن وقد قال الله - تعالى - إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا وكان اسمه قبل معصيته العظيمة عزازيل قال النقاش وكنيته أبو كردوس ولهذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن صياد ما ترى ? قال أرى عرشا على الماء.

الإجهاض بين الطب والشرع

لا أظن أنني في حاجة إلى بيان أهمية وضوح موقف الإسلام من هذه القضية في نفوس البقية التي تخاف الله في هذا البلد..أما الذين لا يخافون الله فلا نتوجه إليهم بخطاب، لأنهم لا يعنيهم حكم شريعة الله بعد أن استبدت بهم أهواءهم ومصالحهم " نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد" سورة ق الآية 45.
وأتوجه بالبيان إلى ثلاث طوائف:
أولاً: ـ نساء مسلمات يحملن وهن غير راغبات في إتمام الحمل.
ثانياً: ـ أطباء مسلمون يطلب منهم أحياناً أن يقوموا بعمليات الإجهاض.
ثالثاً: ـ علماء من أهل الفتوى في الدين يتعرضون للسؤال عن حِل ذلك أو حرمته.
وليس هذا الموضوع ترفاً علمياً أو بحثاً نظرياً... ولكنه مسألة مما تعم به البلوى في هذه الأيام، فقد وفدت علينا من الغرب وافدات كالحمى بمشروعات ينفق عليها بسخاء من قبل تلك الدول ولا ندري ما وراءها من مقاصد يخفونها وإن كانت للمؤمنين فراسة.
1- ومن الجدير بالذكر أنه إلى عهد قريب كان الإجهاض لأي سبب غير درء ضرر محقق يهدد صحة الأم أو حياتها كان الإجهاض لأي سبب غير ذلك في تلك الدول مجرماً بالقانون، ثم عدلوا قوانينهم التي صنعوها بأيديهم وأباحوا إجهاض الحوامل عند طلبهن لغير ما سبب وسموه الإجهاض الاختياري Elective abortion (voluntary)، وصار الإجهاض الاختياري وسيلة معترفاً بها من وسائل تنظيم النسل في تلك المجتمعات، ثم أسرعت تلك العدوى إلى مجتمعاتنا عن طريق التقليد الذي لا يعصمه خشية الله إلى معرفة حدوده.

2- ويعلق على ذلك الأستاذ: T.N.A. أستاذ التوليد وأمراض النساء بجامعة ليفربول في المملكة المتحدة بقوله ما ترجمته: " لا ينبغي أن تكون الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية مقبولة لتسويغ الإجهاض عند الطلب وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: ليس من المقبول طبياً أن نُعَرض المريضة لمخاطر عملية جراحية أو تحطيم حياة جنينها "or destroy the life of her body" لمجرد تحسين وضعها المالي أو سمعتها العائلية.

ثانياً: بالرغم من إباحة القانون للإجهاض عند الطلب... فإن هذا القانون لن يستطيع أن يجعله سائغاً أخلاقياً بالنسبة لمهنتي الطب والتمريض اللتين من أوليات واجباتهما النظر في الاعتبارات المتعلقة بالصحة البدنية والعقلية للمريضة.

ثالثاً: إن الإجهاض حسب الطلب ضد كل الممارسات الجراحية، حيث أن المريضة هي التي تقرر حتى تكون العملية ضرورية، وهي لا تدرك مدى الأضرار والعواقب ثم يُعقب بعد ذلك بذكر قائمة المخاطر المترتبة على عملية الإجهاض ولخصها فيما يلي:

المخاطر المترتبة على الإجهاض

1ـ نفسياً.. إن غريزة الأمومة من القوة بحيث يعقب هذه العملية ندم دائم وتأنيب للضمير فيما بين  25% إلى 50% حين تكون الدواعي غير طبية.
2ـ يمكن أن يعقب العملية واحد أو أكثر من المضاعفات الآتية:
أ ـ النزيف والصدمة الجراحية. مما قد يؤدي إلى وفاة المريضة بنسبة تتراوح بين ثلاثة إلى ثمانية في كل عشرة آلاف حالة. وتصل هذه النسبة إلى ثلاثة في كل ألف إذا كانت العملية مصحوبة بفتح البطن (عشرة أضعاف النسبة الأولى).
ب ـ تصل نسبة الحالات المرضية المترتبة إلى 15%.
ج ـ تُمزق عنق الرحم ـ مما قد يؤدي إلى تكرار الإجهاض بعد ذلك تلقائياً.
د ـ خرم أو انفجار الرحم فيما لا يقل عن 0.5%. وقد تؤدي إلى إصابات في الأمعاء أو المثانة وغيرها من محتويات البطن.
هـ ـ الالتهابات المختلفة في الرحم والبوقين والمبيضين والحوض وهذه قد تؤدي إلى الصدمة العفنة Septic shock، وقد تؤدي هذه الالتهابات إلى العقم الدائم في نسبة تتراوح ما بين 2%، 3%.

بالنسبة للمجتمع:

أ ـ تدهور الأخلاق والفوضى الجنسية والأمراض المعدية.
ب ـ 50? من الذين سبق أن أجريت لهم عمليات إجهاض يعودون لطلب عمليات إجهاض أخرى متكررة.
ج ـ في كثير من البلدان تزيد نسبة حالات عمليات الإجهاض حسب الطلب على حالات الولادة.
د ـ تعوق كثرة حالات طلب الإجهاض كثيراً من الخدمات المطلوبة من المستشفيات لحالات خطيرة من أمراض النساء لاحتلالها نسبة من الأسرة المتاحة بالمستشفيات.
هذه المخاطر وغيرها يعرفها كل أطباء التوليد وأمراض النساء الذين يتعرضون لإجراء هذه العملية ولست أسردها لهم، ولكني أسردها لهؤلاء الضحايا اللائي يسعين إلى إجهاض أنفسهم غير مقدرات أو جاهلات وقد تُغرر بهن حملات الترويج فتخفي عنهن تلك المخاطر ثم أنهن بعد ذلك على أنفسهن بصيرات.
وإذا فرضنا جدلاً، أنها عملية مأمونة العواقب في الدنيا وأنه لا ضرر منها على صحة الأم فإنه يبقى بعد ذلك ما هو أشد المحاذير، ألا وهو العدوان على نفس محترمة ذات حياة مستقرة في قرار مكين.

القرآن يسبق علم الأجنة:

تمهيد من حقائق علم الأجنة في الإنسان " مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا " سورة نوح الآية 13-14، " أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى " سورة القيامة الآية 36-39.
" فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ " سورة الطارق الآية 5-7، " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ13. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين " سورة المؤمنون الآية12-13، " وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ " سورة الحج الآية 5، " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم " سورة آل عمران: الآية 6، " وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِر" سورة البقرة الآية 228.
- يتكون المخلوق الجديد أو إنسان المستقبل من اندماج خليتين مختزلتين تأتي إحدى الخليتين من خصية الأب والخلية الأخرى من مبيض الأنثى (الأم) وماء الرجل يحتوي على ملايين من هذه الخلايا، تهلك جميعها إلا واحداً يستطيع أن يقتحم جدار خلية الأنثى، والأنثى لا تفرز إلا خلية واحدة من مبيضها كل شهر عادة في اليوم الرابع عشر السابق على الدورة التالية، وإذا لم تلتق الخليتان في غضون فترة محددة فإنهما يتلاشيان فخلية الأنثى لا تستطيع أن تنتظر أكثر من 18-24 ساعة دون تلقيح، وخلية الرجل لا تستطيع أن تلقح خلية الأنثى إذا مضى من عمرها أكثر من 72 ساعة ثم تهلك بعد ذلك.
يتم هذا الاندماج عادةً في طرف القناة الرحمية القريب من المبيض، ثم تبدأ هذه الخلية الاندماجية أو الـ (zygote) في الانقسام وهي في طريقها إلى التجويف الرحمي الذي تصله عادةً قبل نهاية الأسبوع، وقد تكون قد وصلت إلى طور الحوصلة(Blastocyst) والبويضة (ovum) كما تسمى في هذا الطور لها قابلية الانغراس أو الاندغام في جدار الرحم، فإذا لم تتمكن من الإندغام لسبب أو لأخر فإنه تهلك أو تخرج من الطرف الأخر للرحم مع إفرازات المهبل.
- أما إذا تمكنت من الإنغراس أو الإندعام في جدار الرحم (Implantation) فإنها تسمى حينئذ جنيناً (Embryo) ويبدأ الجنين وأغلفته في التطور والنمو.

2- يقول (john new son) توجد نقطة هامة ونضجه في تطور الجنين، ذلك أنه في غضون أربعة أسابيع يكون الجنين مشتملاً على كل أجهزته المعروفة.
A straight forward point about development is that in rewetting like recognized orkans"
وتستمر هذه الأعضاء في النمو والنضج، وعملية التكوين هذه عملية متصلة وبعض هذه الأجهزة لا يتم نضجه إلا بعد الولادة.

متى يعتبر الجنين كائناً حياً:

ولقد طرح السؤال التالي في ندوة أقيمت في سنة 1970م عن الأسرة ومستقبلها في العالي الغربي "هناك نقطة يجب الالتفاف عليها متى يمكننا علمياً أن نعتبر الجنين بشري كائناً حياً خصوصاً وأنه لم يعد هناك غموض يحيط به نريد أن نعرف بأمانة متى يعتبر الجنين (the embryo) (a person) من هذه اللحظة فصاعداً لا نصيبه بسوء أو على الأقل نحميه كما نحمي أي إنسان حي أخر".
- فردت عليه إحدى المشتركات في الندوة الجواب الآتي "هناك عدت نقاط تحتمل الأخذ بها"
1- لحظة الميلاد، وهذه تبدو عند معظم الناس متأخرة للغاية".
2- إحساس الأم بحركة الجنين حين يبدأ الجنين يتحرك بدرجة تدركها الأم، وحين تحس الأم أنها تحمل في أحشائها جنين وإنساناً(Human person)
3 ـ لحظة الانغراس أو الاندغام في جدار الرحم (Time of implantation)
4 ـ لحظة تلقيح البويضة:
ومن وجهة نظر منع الحمل فإن معظم الناس يوافقون على وسيلة تمنع اندغام البويضة prevented implantation) (ولا يوافقون على ما يؤدي إلى الإجهاض بعد الاندغام فوضعتهم هذه المتحدثة أمام اختيار منطقي، ورغم أن كثيرين من أعضاء الندوة حاول أن يزوغ من الإجابة إلا أن أحدهم وهو الأستاذ((Ettore Rossi حسم الأمر بقوله:
ما ترجمته
In Switzerland we consider the moment of implantation into the uterus as beginning of Human life
" نحن في سويسرا نعتبر لحظة الاندغام في الرحم هي بداية حياة الإنسان" وتحاشياً للإطالة في النقل من شواهد علم الأجنة التي يعرفها كل الأطباء العاملين في التوليد وأمراض النساء فإني أعود لأقارن بين هذه الحقائق العلمية وبين النظرة الإسلامية:
بمراجعة الآيات التي صدرنا بها هذا التمهيد مع المراحل التي ذكرناها بعد نلاحظ ما يلي:
1ـ أن الله خلق الإنسان أطواراً.
2 ـ يبدأ بالماء الدافق من الرجل، وهو مئات الملايين في الدفقة الواحدة، ينجح واحد منها في تلقيح خلية الأنثى المنتظرة، ولا يمكن ولاية خلية منها بذاتها أن تتطور إلى إنسان فلا يمكن اعتبار هذا الطور هو الإنسان.
3 ـ الخلية الملحقة أيضاً تتطور إلى طور الحوصلة (Blastocyst) ولا تعدوه إلا بعد الاندغام، فلا يمكن اعتبار هذا الطور هو الإنسان ما لم يندغم.
4 ـ بعد اندغام الحوصلة (Blastocyst) في جدار الرحم تبدأ الحياة في القرار المكين كما عبر عنه القرآن مرة وفسره مراراً بأنه الرحم " يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ " سورة آل عمران الآية 6 " مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ " سورة البقرة الآية 228، فإذا أقر الله في الرحم ما يشاء كان هذا هو إنسان المستقبل الذي يتربى في الرحم ثم يخرج طفلاً ثم يبلغ أشده ثم يكون شيخاً، وهو بيان دقيق لما اكتشفه علم الأجنة كما سبق توضيحه.
- ويترتب على ذلك بناء كل الأصول الشرعية الثابتة أن نرعى حرمة حياة الجنين منذ اللحظة التي يستقر فيها في جدار الرحم، كما نرعى حرمة حياته في أطواره التي تلي ذلك حين يولد طفلاً ويشب يافعاً ويهرم شيخاً، وكما سبق أن ذكرنا، أن عملية التكوين مستمرة متصلة إلا أن يعدو عليها عاد حتى توفى أجلها.
- وحرمة حياة الإنسان مقرورة شرعاً بصورة مؤكدة لدرجة أن العدوان على نفس واحدة يعتبر حسب التعبير القرآني عدواناً على الإنسانية جميعاً " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا " سورة المائدة الآية 32، " وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " سورة النساء الآية 29).

الفقهاء يجمعون على تحريم العدوان على حياة الجنين 

8- وقد اتفق الفقهاء جميعاً على تحريم العدوان على حياة الجنين وفي كتاب التشريع الجنائي الإسلامي استعراض مستفيض لأحكام هذه الجناية.. واكتفى بنقل بعض عباراته ولكن ذلك لا يغني عن قراءة الباب كله من مصدره.

"ولكن اختلاف الفقهاء في التعبير عن الجناية ليس له أهمية لأن ما يقصده هؤلاء من تعبيرهم هو ما يقصده الآخرون بالذات ومحل الجناية عندهم جميعاً هو إجهاض الحامل والاعتداء على حياة الجنين أو هو كل ما يؤدي إلى انفصال الجنين عن أمه" ولا يشترط في الفعل المكون للجناية أن يكون من نوع خاص فيصح أن يكون عملاً ويصح أن يكون قولاً" ويصح أن يقع الفعل المكون للجناية من الأب أو الأم أو من غيرهما وأيا كان الجاني فهو مسئول عن جنايته ولا أثر لصفته على العقوبة المقررة".

"والرأي الذي يجب العمل به اليوم بعد تقدم الوسائل الطبية أنه إذا أمكن طبياً القطع بوجود الجنين وموته بفعل الجاني فإن العقوبة تجب على الجاني، وهذا الرأي لا يخالف في شيء رأي الأئمة الأربعة لأنهم منعوا العقاب للشك فإن زال الشك وأمكن القطع وجبت العقوبة".

- وينبغي أن ندرك أن الحمل يمكن إثباته بالوسائل العلمية الحديثة في كل مرحلة من مراحله، سواء منها المراحل المبكرة أو المراحل المتأخرة.

متى تدب الحياة في الجنين:

ولقد فهم بعضهم خطأ أن الحياة تدب في الجنين بعد 120 يوماً حين تحس الأم بحركته وزعم أن هذا الفهم مأخوذ من قوله - صلى الله عليه وسلم - "أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح.. " إلى أخر الحديث.
والحقيقة أن هذا الفهم لم يؤخذ من الحديث الشريف ولكن أخذ من مستوى المعلومات الطبية في ذلك الزمان، والحديث صادق دائماً لا يتخلف عن علوم أي زمان مهما تطورت وتقدمت ولم يذكر الحديث أن الحياة تدب في الإنسان بعد 120 يوماً، ولكنه ذكر نفخ الروح، ونفخ الروح أمر غيبي لا نعرف كنهه.،
وقد انتهى الشيخ شلتوت من نقاش هذه المسألة إلى الجملة التالية:
"ولعل العلماء الذين نفوا الحياة قبل نفخ الروح يريدون هذه الحياة الظاهرة وهم في الوقت نفسه لا ينكرون أن المادة حية، وأن حياتها تمكنها من الاتصال بماء المرأة "البويضة" ومن هنا نستطيع أن نقرر أن اختلاف العلماء في جواز الإسقاط في مبدأ الحمل مبني على عدم التنبه لهذه الإحاطة بها.. أو أن حرمة الإسقاط في تلك الحالة ليست كحرمته عند تكامل الخلق والإحساس بالحمل وإذن تكون المسألة ذات اتفاق بينهم على حرمة الإسقاط في أي وقت من أوقات الحمل".
"والعلة في عدم إقامة الحد على الحامل إن في إقامة الحد عليها في حال حملها إتلافاً لمعصوم وهو الحمل ولا سبيل إليه، وإذا كانت هي غير معصومة من إقامة الحد فإن من القواعد الأساسية أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وألا تصيب العقوبة غير الجاني، والعقوبة التي تصيب الحامل تتعدى إلى حملها".
فليتق الله، كل أم تسعى إلى إسقاط جنينها وكل أب يأذن في ذلك وكل طبيب يتعرض لهذه الحالات وكل صاحب رأي مطاع، وليعلموا أن الاشتراك في هذه الجناية بفعل أو قول أو إقرار سيحاسبهم الله - تعالى -عليه وإن أغفل حسابهم القانون ألا هل بلغت اللهم فأشهد".

بث مباشر للمسجد الحرام بمكة المكرمة